أكثر من أي عملية تصفية مروعة قام بها تنظيم داعش، استأثرت جريمة حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حياً، باهتمام أميركي واسع، اختلط فيه القلق مع الأمل بأن تكون نقطة تحوّل نوعي في المواجهة مع داعش.
فهي بطريقتها التي تعجز نعوت القاموس عن توصيف وحشيتها، والتي سبقها نحر الصحافيين اليابانيين، جاءت للتذكير المؤرق بمحدودية الاستراتيجية المعتمدة ضدّ التنظيم. لكن في ذات الوقت وفي ضوء هوية الطيار وانتمائه وردود الشارع خصوصاً الأردني، جاءت لتفتح الباب أمام تعاظم الرفض والنقمة في الساحة العربية والإسلامية إزاء هذا التنظيم الإرهابي، وبالتالي رفع وتيرة وحجم المواجهة معه. فالإيغال في سفك الدماء بهذه الفظاعة محكوم بأن يرتدّ على أصحابه.
فاعلية محدودة
المحدودية بدت تتضح معالمها منذ فترة. صحيح أن القصف الجوي أوقف تمدد داعش وأضعف إمكاناته وقدراته. لكن لم يقو على وقف تحركه الفعال في مناطق سيطرته. فك الحصار عن مدينة عين العرب لزمه أشهر من القصف. تأهيل القوات العراقية متعثر ومرهون بتحقيق الشراكة السياسية المجمّدة.
ولذا تردد أن خطة تحرير الموصل التي كانت متوقعة خلال الربيع المقبل، جرى ترحيلها إلى وقت آخر من هذا العام، ولحين تصبح القوات العراقية جاهزة للمشاركة في هذه المهمة. في سوريا لم يبدأ بعد إعداد قوات المعارضة «المعتدلة». موضوع القوات البرية ما زال، على أهميته وضرورته، من غير ترجمة. وجاءت قضية الطيار لتزيد من تسليط الأضواء على هذه المحدودية.
فقد تردد في واشنطن أن مجموعة من القوات الخاصة المشتركة الأميركية والأردنية قامت مطلع يناير بمحاولة إنزال في جوار مدينة الرقة السورية لإنقاذ الطيار من معتقله هناك. لكنه لم يكتب لها النجاح. قدرات «داعش» الدفاعية تصدت لها بقدرات مانعة.
وفي الاعتقاد أنه جرى حرق الأسير في أعقاب العملية. ولذلك طلبت السلطات الأردنية أثناء عملية المساومة على استرجاع الطيار ما يثبت لها مسبقاً أنه مازال على قيد الحياة. وكأنها كانت تدرك أو تشكك في أن «داعش» ربما قامت بتصفيته في حينه.
انخراط أقوى
على هذه الخلفية، ازداد الإلحاح خصوصاً من جانب أقطاب من الجمهوريين في الكونغرس، لرفع مستوى ودور القوات الأميركية في الحرب على التنظيم. ليس على شكل غزو كاسح. ولكن بصيغة زيادة عدد القوات الخاصة والتقنيين في مجال الربط والتنسيق والتوجيه والاتصالات والمعلومات الاستخباراتية – بحدود عشرة آلاف كما يرى بعضهم – على أن تقوم بأدوارها ميدانياً بالمشاركة مع قوات برية محلية وإقليمية، حسب وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر.
فالحادثة الأخيرة كما يرى كثيرون، خصوصاً في الكونغرس، لا بدّ وأن تدفع بدول المنطقة إلى مثل هذا الدور، من زاوية أن «داعش» ما عاد يوفر أحداً كما تبين جريمة حرق الطيار «الذي هو واحد من إخوانهم في المعتقد»، كما قال أحد أعضاء مجلس الشيوخ.
خصوصاً وأن النزول بقوة إلى ساحة المواجهة صار يحظى بمساندة الرأي العام العربي الذي تغيرت نظرته بعد الحادثة. وتظاهرات الأردن تؤشر بوضوح إلى المناخ الشعبي الجديد.
لا تغيير
لكن الإدارة الأميركية لا تبدو حتى الآن، أنها في وارد أخذ المبادرة عسكرياً. في ردها على سؤال «البيان» حول ما إذا كانت الإدارة في وارد إعادة النظر في موقفها لجهة تعزيز دورها في ضوء المجزرة – المحرقة الأخيرة، أجابت الناطقة في وزارة الخارجية بالنفي قائلة: «لا تغيير في سياستنا».
مصادر الإدارة تقول إن «داعش» يتعمد التفظيع بالضحايا ليس فقط للدعاية ولتعزيز حملات التجنيد، بل أيضاً لاستدراج أميركا إلى حرب شاملة معه، يستخدمها كذريعة لتوسيع دائرة الصراع بين الغرب والمسلمين. وهذا ما ينبغي تجنبه. زعم يحذر المطالبون بالتصعيد من عواقبه، لأن الخطر يكبر والضربات الجوية وحدها لا تفي بالمطلوب. الأزمة مستمرة، والجدل متواصل.
صحيفة «الرأي»
ذكرت صحيفة «الرأي» الأردنية الحكومية في افتتاحيتها، أن «الأردن يخوض هذه الحرب لحماية عقيدتنا وقيمنا ومبادئنا الإنسانية، وأن حربنا لأجلها ستكون بلا هوادة، وسنكون بالمرصاد لزمرة المجرمين ونضربهم في عقر دارهم».
وأضافت أن «دم الشهيد معاذ الكساسبة لن يذهب هدراً، ورد الأردن وجيشه سيكون قاسياً، لأن هذا التنظيم الإرهابي لا يحاربنا فقط، بل يحارب الإسلام الحنيف وقيمه».
