المألوف أن إسرائيل تستقوي بالكونغرس للتأثير في مواقف وسياسات البيت الأبيض عند الحاجة. جعلت من مجلسي الشيوخ والنواب أداة رئيسية لنفوذها السياسي في واشنطن. مع هبوط ورخص مستوى اللعبة في الكونغرس وعمق خصومة هذا الأخير للرئيس باراك أوباما، تضخّم هذا النفوذ وتحوّل إلى لاعب مكشوف يكاد يسترهن الأداة. بذلك انقلبت المعادلة، بحيث صار الكونغرس يستعين بإسرائيل في معاركه مع الإدارة التي تحرضه عليها. بل التي تتولّى هندستها له. ت
ردٍّ نوعي في الممارسة السياسية الأميركية، بصرف النظر عن طبيعة القضية المطروحة والموقف منها.
تبدّى ذلك قبل أيام بدعوة رئيس مجلس النواب جون بوينر لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لإلقاء كلمة أمام الكونغرس، حول النووي الإيراني في الحادي عشر من فبراير المقبل. وقد أقدم على هذه الخطوة من دون التشاور مع البيت الأبيض. ولا حتى إبلاغه. وزاد الطين بلّة أن المدعو رحّب بهذه الفرصة. عملية أثارت غضب الإدارة. ليس فقط لما فيها من تجاوز للبروتوكول والأصول المرعية، بل أيضاً لكونها عملية تحدّ لا تخلو من الإهانة.
مفاتحة إسرائيل
وتردّد أن البيت الأبيض الذي لم يخف غيظه من هذه المبادرة الاستفزازية، سارع إلى مفاتحة الجانب الإسرائيلي بالأمر مع التعبير عن الامتعاض، والتشديد على أن زيارة نتنياهو في هذا الخصوص غير مرغوبة. رافق هذا الرد عدم ترحيب أوساط أميركية بهذا التجاوز، وبما أدى إلى ضغوط حملت رئيس مجلس النواب ونتنياهو على صياغة مخرج نصفي، يقوم على تأجيل خطاب هذا الأخير أمام الكونغرس إلى الثالث من مارس المقبل، حيث يكون نتنياهو آنذاك في واشنطن للمشاركة في مؤتمر اللوبي الإسرائيلي السنوي.
على أن يلتقي مع أي من كبار المسؤولين في الإدارة أثناء وجوده في واشنطن.
تحذيرات
بذلك دخلت إسرائيل في صلب صياغة قرار استراتيجي أميركي. الكونغرس أعدّ مشروعين على الأقل لفرض عقوبات على إيران. الإدارة حذرت من ذلك بزعم أنه يؤدي إلى التخريب على المفاوضات. وربما نسف فرصة التوصل لصفقة مع طهران، حتى ولو كانت عقوبات مؤجلة إلى ما بعد يونيو المقبل ومرهونة بفشل المفاوضات، وثمة همس في واشنطن أن مثل هذه الصفقة ليست مستبعدة ولو أن عملية عبورها تواجه تعقيدات إقليمية متقلبة. الكونغرس مصمم على تمرير إما العقوبات وإما مشروع قانون يربط أي تسوية حول النووي بموافقته عليها لتصبح نافذة. الرئيس هدّد بالفيتو ضد الاثنين.
كسر الفيتو
ولكسر الفيتو يحتاج مجلس الشيوخ لأكثرية الثلثين. وهذه مواجهة كبيرة مع الرئيس حول موضوع خارجي مهم، قد تتهيّب الأكثرية المضي فيها. من هنا عمل اللوبي مع صقور الجمهوريين، على استقدام نتنياهو؛ لحفز المترددين ودفعهم إلى الوقوف ضد الرئيس في هذه القضية.
صِدام داخلي أشرفت إسرائيل على إعداده. الأسوأ أن الكونغرس تطوّع في تعزيز هذا الدور الإسرائيلي على حساب صلاحياته وهيبته. والرخاوة هنا ليست حكراً على الكونغرس. ساهم فيها البيت الأبيض منذ زمن. في كل مرة كان يصل فيها التعارض والاختلاف بين الإدارة وإسرائيل، كان الرئيس يتراجع. حساباته السياسية الداخلية تتقدم على موقفه وقراره.
الرئيس بوش الأب اصطدم مع رئيس الوزراء الإسرائيلي اليميني الأسبق إسحق شامير ورفض الموافقة على ضمانة قرض طلبته إسرائيل آنذاك. اتخذ موقفاً حازماً فرض على الكونغرس الوقوف إلى جانبه. لكن حسابات تجديد رئاسته خلخلت موقفه وحملته ليس فقط على التراجع، بل أيضاً على السعي لحمل الأمم المتحدة على التراجع عن قرارها الشهير الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية.
تجاوز أوباما
الرئيس أوباما قد لا يتراجع أمام نتنياهو في الملف النووي، بغض النظر عن جدارة مراهنته في هذا الملف. لكنه خسر الجولة معه بمجرد أن رئيس حكومة إسرائيل تجاوز الرئيس في هذا الموضوع. ولم يكن نتنياهو يقوى على ذلك لولا تاريخ رخاوة أوباما معه في موضوع المستوطنات وبالتالي المفاوضات. بل لم يكن الكونغرس يقوى على الارتماء في حضن إسرائيل بهذه الصورة الرخيصة، لو كان الرئيس كشف منذ البداية عن بعض الحزم الذي يبديه الآن، والذي جاء متأخراً وأقل من المطلوب.
توضيح
دافع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن الخطاب المقرر أن يلقيه عن إيران أمام الكونغرس الأميركي، قائلاً: إن عليه التزاماً أخلاقياً أن ينتهز كل فرصة تسنح لإثارة قضية تشكل خطراً فتاكاً على بلاده.
وقال نتنياهو لحكومته: «من المرجح أن تتوصل القوى خلال الأسابيع المقبلة إلى اتفاق إطاري مع إيران قد يجعلها دولة قادرة على صنع السلاح النووي، وهو أمر سيعرض وجود دولة إسرائيل للخطر كثيراً.
بصفتي رئيساً لوزراء إسرائيل، ألتزم ببذل كل الجهود لمنع إيران من الحصول على أسلحة نووية ستستهدف دولة إسرائيل. هذا الجهد عالمي وسأذهب إلى أي مكان أدعى إليه لعرض قضية دولة إسرائيل والدفاع عن مستقبلها ووجودها».