في خطابه السنوي عن حالة البلاد – السادس خلال رئاسته – بدا الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي تحدث لأول مرة أمام كونغرس جمهوري بنبرة الواثق وكأنه استعاد زخمه السابق في ما يتعلق بالقضايا الداخلية. قبل حديثه كان رصيده في حدود 46 في المئة. بعده كشف أول استطلاع في صفوف الذين شاهدوا الخطاب، أن تأييده قفز إلى 51 في المئة.

طرح أجندة ليبرالية عالية السقف، بدت وكأنها صدى لحملته الانتخابية الأولى. فهو يستند إلى وضع اقتصادي أفضل وواعد. ورقة قوية يبدو أنه عازم على الاستقواء بها خلال المتبقي من رئاسته لتحقيق غرضين: مراكمة انجازاته الداخلية قدر المستطاع ومطاردة الجمهوريين في هذا الميدان وبما يزيد من العقبات في طريقهم إلى انتخابات الرئاسة في 2016.

أما على مستوى السياسة الخارجية، فقد بدا الرئيس وكأنه اكتفى بخطوته الكوبية ويطمح بإنجاز نووي إيراني. أما باقي الملفات خصوصاً الشرق أوسطية، فقد تطرق إليها بصورة تعكس رغبة في التعامل معها من زاوية الاكتفاء بضبط توازناتها تبعاً لمستلزمات الخطط المتحركة، فضلاً عن تقليل خسائرها الأميركية. وكان من اللافت أن فيض الردود والتعقيبات الأولية التي توالت فور انتهاء كلمته، لم تتوقف حتى بالإشارة العرضية عند الشق الخارجي فيها. فلا جديد في هذا المجال. فقط تكرار التوكيد على مواصلة النهج نفسه.

غياب القضية الفلسطينية

ولذا كانت حصتها دقائق من أصل ساعة استغرقها الخطاب. أسهب خلالها في التنويه بأهمية إعادة العلاقات مع كوبا. أما القضايا الأخرى، من «داعش» إلى تدريب المعارضة السورية «المعتدلة» ومطالبة الكونغرس بتفويض يحدّد له صلاحية استخدام القوة، كلها لم تنل من الوقت والتفاصيل ما ناله ملف سخونة المناخ. لم يأت على ذكر القضية الفلسطينية ولا حتى بالتلميح. بقيت خارج الهموم والتحديات الخارجية.

وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس طرح موضوع الصلاحية، بعد تزايد الضغوط من الكونغرس لكونها مسألة دستورية موجبة وليس لأن الرئيس يعتزم التسلح بها لتوسيع الدور العسكري الأميركي. خصوصاً في الجانب المتعلق منه باستخدام قوات البرية.

فمثل هذا الدور عادت سيرته إلى التداول بعد عملية باريس الارهابية. بعض المحافظين دعا إلى مشاركة أميركية بعملية عسكرية يقوم بها التحالف ضد داعش داخل سورية. لكن إدارة أوباما ليست في هذا الوارد. ولذلك تعمّد الرئيس الإشارة إلى تدريب جناح من المعارضة السورية، الذي سيبدأ برنامجه في حدود أواخر فبراير، حسب البنتاغون.

موقع قوة

ومن خلال خطابه استعاد الرئيس الكثير من بريقه الداخلي. ليس فقط في الأداء وهو البارع فيه أصلاً. بل أيضاً في المضمون. خاطب الكونغرس من موقع القوة وبلغة المستقوي عليه. هدّد بالفيتو أكثر من مرة خلال كلمته، لإحباط أي مشروع قانون يتعارض مع توجهاته.

وكأنه لم يخسر الأغلبية أخيراً في مجلسي الشيوخ والنواب. الارقام الاقتصادية عزّزت وضعه، 72 في المئة من الأميركيين يرون أن الأوضاع تسير «في الاتجاه الصحيح» الأحوال انقلبت لصالحه. هبوط أسعار النفط خدمه إلى حدّ بعيد.

الجمهوريون خطفوا الكونغرس. أوباما خطف التأييد والأضواء معاً. المتوقع أن تكون المبارزة السياسية بينهما قاسية. ومن المرجح أن يعمل الكونغرس أو بالأحرى أغلبيته، على مواجهته وإحراجه في قضايا السياسة الخارجية.

خصوصاً في سوريا والنووي الإيراني. في الأولى، من خلال مطالبته بالتصعيد ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد. وهذا مسار لا ينوي البيت الأبيض دخوله. وفي الثاني، من خلال مشروعات لفرض عقوبات وعد الرئيس بمواجهتها بالفيتو.

كما من خلال الضغوط السياسية ، وفي هذا الصدد كشف مصدر أمس أن رئيس مجلس النواب جون بوينر وجه دعوة إلى رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو لإلقاء خطاب في الكونغرسيوم 11 فبراير المقبل بشأن الننوي الإيراني وقد جرى توجيه الدعوة من دون التنسيق مع البيت الأبيض خلافا للمعتاد عند دعوة مسؤولين أجانب لمخاطبة الكونغرس

،وتبقى فترة السنتين الأخيرتين من رئاسة أوباما محكومة إلى حدّ بعيد بالمعارك وتسجيل النقاط تمهيداً لانتخابات 2016.