كثفت أوروبا إجراءاتها الأمنية لمواجهة التهديدات الإرهابية المتزايدة، حيث أعلن رئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشال اتجاه حكومته نحو دعوة الجيش إلى تعزيز الأمن، تزامنا مع حملات دهم شملت بلجيكا وفرنسا وألمانيا أسفرت عن اعتقال العشرات من المشتبه بتخطيطهم لهجمات، فيما دعا الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند إلى رد جماعي وحازم في مواجهة الإرهاب.
وأعلن رئيس الوزراء البلجيكي غداة عملية واسعة لمكافحة الإرهاب أن حكومته على استعداد لدعوة الجيش إلى تعزيز أمنها، بينما لا يقوم العسكريون حتى الآن سوى بدعم قوات الأمن.
وصرح ميشال في مؤتمر صحافي إثر جلسة لمجلس الوزراء اقرت 12 إجراء لمكافحة الإرهاب أن «الجيش سيكون مستعداً لتعزيز مستوى الامن». والحكومة قد تستدعي الجيش عندما يبلغ مستوى الانذار الدرجة الثالثة، من اصل مقياس من اربع درجات، وهي المرة الأولى التي يحصل فيها ذلك منذ موجة الاعتداءات التي شنتها خلايا شيوعية إبان الثمانينات.
مستوى الإنذار
وقررت الحكومة رفع مستوى الانذار إلى الدرجة الثالثة على الرغم من «عدم وجود تهديد محدد وملموس بتنفيذ اعتداء». وأفادت الداخلية بأن «فرقة من 150 رجلاً على أهبة الاستعداد للانتشار في مواقع» ستحددها السلطات.
وأوضح وزير الدفاع ستيفن فاندبوت: «هي فرق شبه كوماندوس سيكون بإمكانها بالتالي حمل السلاح». واشار إلى أن هذا الانتشار «قد يتم سريعاً، ربما خلال ساعات ولفترة مؤقتة ستدوم طالما ترى الحكومة أن ذلك ضروري».
وأعلن رئيس الوزراء البلجيكي إمكانية صدور سلسلة قرارات على المستوى الاوروبي اثناء القمة المتوقعة في 12 فبراير المقبل في بروكسل، واورد وضع «لائحة موحدة بالإرهابيين على المستوى الاوروبي». ودعا ميشال البرلمان الاوروبي إلى الموافقة «في أسرع وقت ممكن» على وضع سجل أوروبي لركاب الطائرات. كما طالب بوضع لائحة أوروبية للأشخاص الذين توجهوا إلى سوريا والعراق.
وقال إن «هذه المواضيع لن تكون موضع كلام وحسب على المستوى الاوروبي وإنما موضع قرارات ملموسة». وأعلن أنه «سيتم توسيع الحالات التي تتيح سحب الجنسية البلجيكية للذين يحملون جنسيتين. ويتوقع سحب جوازات السفر وبطاقات الهوية مؤقتاً عندما يطرح الشخص خطراً على النظام العام والأمن».
حملات دهم
إلى ذلك، شنت الشرطة في بلجيكا وفرنسا وألمانيا عمليات أمنية ضد مشتبه بهم بصلة مع الإرهابيين.
وقال محققون إن 15 شخصاً اعتقلوا بعد مداهمات في محيط بروكسل وفي بلدة فرفييه الشرقية التي قتل فيها رجلان يعتقد أنهما حاربا في سوريا أول من أمس بعدما فتحا النار على الشرطة. وقال المسؤول في النيابة اريك فان در سيبت إن العملية «اتاحت توجيه ضربة كبيرة للإرهاب في بلجيكا».
وفي باريس، شهد التحقيق في الاعتداءات التي أوقعت 17 قتيلًا الاسبوع الماضي تطوراً جديداً مع توقيف 12 شخصاً في منطقة العاصمة للاشتباه بأنهم قدموا «دعماً لوجستيا» لمنفذي الاعتداءات وخصوصاً بالأسلحة والسيارات.
كما أعلنت الشرطة الفرنسية أن مسلحاً كان يحتجز رهينتين في مركز بريد كولومب، قرب باريس، اعتقل وتم الإفراج عن رهينتيه سالمين.
وأضاف أحد المصادر: «لم يحصل هجوم، الرجل المسلح استسلم بنفسه». والمسلح معروف من الشرطة لارتكابه جنحاً عامة، واستبعد المحققون سريعاً فرضية وجود أي رابط بين هذا الحادث والإرهابيين.
وفي برلين، جرت حوالي عشر مداهمات «في الاوساط الاسلامية». وتم اعتقال تركيين أحدهما يشتبه بأنه يقود «مجموعة من المتطرفين» كانت تخطط لارتكاب «عمل عنيف وخطير في سوريا» والثاني كان يهتم بمالية المجموعة.
رد جماعي
في الأثناء، دعا الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند إلى رد جماعي وحازم في مواجهة الإرهاب اثناء لقائه اعضاء السلك الدبلوماسي في الاليزيه بمناسبة العام الجديد.
وتابع: «لم يعد الامر يتعلق فقط بخطف نساء وهو امر وحشي، هناك مذابح تستهدف أطفالاً وقرى وبلدات يتم القضاء عليها بالكامل».
زيارة كيري
من جهته، بذل وزير الخارجية الأميركي جون كيري كل ما في وسعه لحمل الفرنسيين على نسيان التمثيل الضعيف لبلاده في المسيرة التاريخية الاحد في باريس للتنديد بالإرهاب.
والتقى كيري بالرئيس الفرنسي واستخدم مفردات بسيطة للتعزية وانتقل إلى مواقع الاعتداءات، واشاد في بلدية باريس بالابطال الذين أنقذوا آخرين خلال الهجمات. وقال وزير الخارجية الاميركي الذي يتحدث اللغة الفرنسية وباريس إحدى افضل المدن لديه: «نشاطر الشعب الفرنسي ألمه».
وفي أعقاب لقاء استمر نصف ساعة، توجه كيري مع نظيره الفرنسي إلى مكان الاعتداء في متجر يهودي للاطعمة، والى مقر «شارلي ايبدو» حيث قتل 12 شخصاً.
دو كيرشوف.. قيصر أوروبا لمحاربة التطرف
كلما أراد الأميركيون الاتصال بأوروبا في مسألة تتعلق بالمقاتلين المتطرفين فإنهم يتصلون بجيل دو كيرشوف الذي يعتبر قيصر مكافحة الإرهاب الأوروبي وإن كان يعاني من نقص فادح في الموارد.
ودو كيرشوف البالغ 58 عاما هو المنسق الثاني لشؤون مكافحة الإرهاب، وهو منصب إنشئ عام 2004 بعد هجمات مدريد.
هذا الموظف الأوروبي الرفيع الذي يحمل دكتوراه في القانون وما زال يدرس، خلف عام 2007 الهولندي غايس دي فرايس الذي استقال معتبرا أن منصبه لا يحظى بأي اعتبار. غير أن دي كيرشوف الذي يتميز بصبره ودماثته تمكن من تجاوز إقصاء المفوضية والوزراء وشكل حوله شبكة واسعة من العلاقات جعلت الاتصال به حتميا.
وصرح مسؤول أوروبي كبير ان «جيل هو كل ما نحن لسنا عليه، لكننا نملك كل ما يفتقر اليه. فهو يملك حرية الكلام وحتى الحق في التطاول». فهو يعمل لصالح المجلس الذي يمثل الدول، ويطرح الأفكار ويوفر الآراء ويقدم توصيات من دون ان يكون ملزما بقواعد الماكينة الإدارية المعقدة للمفوضية.
لكن القيصر لديه امكانيات محدودة. ففريقه يقتصر على ثلاثة مستشارين وسكرتيرين، ويتخذ مقراً في قسم ناء من مبنى مجلس أوروبا في بروكسل يشكل العثور عليه صعوبة كبرى. والموارد التي يحتاجها جيل دي كيرشوف ويعز توفيرها له موجودة في الجهة المقابلة من الطريق، في مقر المفوضية الأوروبية. فهناك يتوافر المال اللازم لتمويل مبادرات مشتركة على غرار التدريبات على التعامل مع حالات أخذ رهائن.
لكن دي كيرشوف لا يقف عند ذلك، ويؤكد ان «الأدوار متكاملة». فالرجل المقتنع بأوروبا يطالب باعتماد معايير، معربا عن خشيته من عودة الدول الى منطق «كل لذاته».
واستغرقه الأمر ثلاثة أعوام لكي يقابل رئيس جهاز الأمن الداخلي البريطاني، لكنه مذاك يدعى الى الاجتماعات التي تجري مرتين في العام لمجموعة مكافحة الإرهاب التي تضم مسؤولي اجهزة الأمن الداخلي في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وسويسرا والنروج.

