نال هذا الجانب من عملية باريس الإرهابية حيزاً بارزاً من الاهتمام في مداولات المراقبين والخبراء الأميركيين.
ظاهرة محيّرة وغير طبيعية طرحت حولها أسئلة كثيرة: لماذا يلتحق بعض الشباب والشابات العرب والمسلمين الذين يعيشون في الخارج، ومنهم من ينتمي إلى الجيل الثاني أو الثالث من المهاجرين، إلى المنظمات الإرهابية العاملة في سوريا والعراق واليمن بخاصة؟ لماذا يتركون بلدانهم وعائلاتهم ويختارون القتال في حرب محكومة بنهايات مفجعة؟ ما هي الدوافع والحوافز التي تقتلعهم من بيئتهم الاجتماعية المدنية وتشدهم إلى بيئة المغامرة الدموية والانتحارية في نهاية المطاف؟.
الإجابة على هذه التساؤلات تنوعت بتنوع المقاربات للإرهاب. كل فريق ينظر إليها بعدسات موقعه المختلفة.
المحافظون وعتاة اليمين يربطون الاندفاع إلى هذا النوع من العنف بـ «ايديولوجيا الإسلام»، كما عبرت عنه أبواق إعلامية تمثل هذا الخط، مثل جريدة وول ستريت جورنال ومجلة ويكلي ستاندرد الأسبوعية وشبكة تلفزيون فوكس نيوز وغيرها. هذه الجهات تعتمد خطاب الاستعداء والتحريض على الإسلام والمسلمين.
دوافع مختلفة
لكن المقاربات الأخرى تعاملت مع هذه الظاهرة بمنظار أوسع ربطها بجملة أسباب تقاطعت عند عدة دوافع رئيسية وأخرى ثانوية.
الأولى، يأتي على رأسها التأثير الثقافي المنبثق من جملة منابع أهمها الخطاب السلفي، بتنوعات منابره المختلفة وتلاوينه المتشددة. فمع الوقت أدى ذلك إلى تراكمات هيّأت التربة الخصبة للتجاوب مع دعوات الاستنفار للتوجه إلى ساحات المعركة باعتبارها واجباً ثأرياً.
ثم يأتي خطاب هذه الجماعات، التي برزت على الساحة في لحظة غفلة أو ربما بتغافل متعمد، وحققت صعوداً باهراً وظفته في عملية تجنيد مدروسة لعبت وسائل الاتصال الاجتماعي دوراً هاماً في ترويجه وتلميع جاذبيته.
وقد لاقى ذلك صداه لدى حلقات اجتماعية محبطة تعيش إجمالاً على هامش محيطها الاجتماعي في المهجر، وبما شكل بيئة حاضنة لاستقبال خطاب العنف والاستجابة له، وبما يخدم استراتيجية هذه الجماعات الإرهابية من ناحيتين، رفدها بأعداد إضافية من المقاتلين، كما استخدام بعض العناصر المجنّدة للقيام بعمليات إرهابية مروعة في بلدانها الغربية وبما قد يساعد على إشعال حرب أهلية فيها ضد المقيمين والمواطنين المسلمين فيها مع ما قد تجر إليه من توسيع لدائرة الصراع وتحويله إلى اشتباك إسلامي- غربي.
وليس سراً أن هناك في الغرب قوى تدفع بالمواجهة في هذا الاتجاه.
حوافز جانبية
يضاف إلى هذه العوامل حوافز أخرى جانبية يتردد ذكرها في هذا السياق، منها السعي وراء المردود المالي الذي يقال انه حفز مقاتلين من البوسنة وكوسوفو للانضمام إلى تنظيم «داعش» وغيرها. وربما كانت هناك أيضاً دوافع محلية تتمثل في ردود فعل قوى ناقمة على سياسات الاستئثار والإبعاد التي مارسها كل من النظامين في العراق وسوريا.
الجدل حول تعريف الإرهاب، قديم في واشنطن. طغى عليه إجمالاً الالتباس والاستنساب. في البداية كان من نصيب الحركات السياسية المرفوضة أميركياً وإسرائيلياً. ثم أضيفت الحركات المتشددة إلى اللائحة مع ظهور تنظيم القاعدة مع أن المتشددين هم مخلوقات أميركية، تمت ولادتها في أفغانستان.
انتقال الإرهاب
ثم ارتبط الإرهاب مؤخراً بـ «داعش» وجبهة النصرة والمجموعات والحركات المحسوبة على خندق «الإسلام المتطرف» أو «الإسلام الراديكالي». تسمية نأى عنها البيت الأبيض باعتبارها تنطوي على معنى شمولي.
والآن بعد عملية باريس الإرهابية، انتقل التركيز من التعريف إلى محاولة فهم حوافز الإرهاب، كشرط لتحديد الطرق الملائمة لمواجهته؛ في حرب ما انفكت الجهات الأميركية تتحدث عن طول أمدها. مجزرة المجلة عزّزت الخشية في واشنطن وأوروبا طبعاً، من انتقال جانب من هذه الحرب إلى داخل أراضيها.
أحبط مكتب التحقيق الفيدرالي عملية كان يجري إعدادها في ولاية اوهايو لتنفيذها في مبنى الكونغرس بواشنطن. صادر أسلحة ومتفجرات قال انه كان يجري تحضيرها لهذا الغرض. تحدٍّ خطير لا فكاك من مواجهته. لكن الاستراتيجية المتكاملة المتماسكة والحاسمة ما زالت مفقودة. هل تكون المجزرة حافزاً لصياغتها؟ السؤال مفتوح في ضوء برودة رد إدارة أوباما على العملية.
تنديد
نددت حركة طالبان الأفغانية أمس بنشر شارلي ايبدو رسوماً جديدة للنبي، مشيدة بمنفذي الاعتداء الذي استهدف الأسبوع الماضي هيئة تحرير الصحيفة الفرنسية الساخرة. أ.ف.ب
