كان من اللافت بل المستغرب أن تكون مشاركة إدارة الرئيس الأميركي باراك اوباما في تظاهرة التضامن أمس في باريس أقل بكثير من مستوى مشاركة أكثر من أربعين دولة فيها. مع أنه كان من المتوقع أن تكون عالية وفي طليعة الحضور.

لكنها آثرت الاكتفاء بمشاركة رمزية عن طريق سفيرها في العاصمة الفرنسية. وسبقها زيارة الرئيس أوباما يوم وقوع العملية الإرهابية، إلى مقر السفارة الفرنسية في واشنطن للمواساة والتعبير عن التضامن. أما في التظاهرة فقد بدت مشاركة الإدارة فاترة.

وكأنها جاءت على سبيل رفع العتب. كان من المفترض أن يشارك فيها نائب الرئيس جو بايدن. لكنه لم يفعل. قضى إجازة نهاية الأسبوع في ولايته القريبة من واشنطن. ولا حضر وزير الخارجية جون كيري الذي قام بزيارة لألمانيا يوم السبت في طريقه إلى الهند. حتى وزير العدل أريك هادلر الموجود في باريس لحضور مؤتمر حول الإرهاب، نأى عن المشاركة.

وكأنه كان هناك تجاهل من جانب واشنطن لرمزية التظاهرة الدولية. وربما لخطابها الفرنسي. بذلك بدا غيابها وكأنه انطوى على رسالة. فمن المستبعد أن يكون هفوة. إذ لا يعقل أن يفوت الإدارة إدراكها لأهمية المناسبة. المستهدف في العملية الإرهابية حليف لها. شريكها في حرب على الإرهاب الذي تعهدت بالعمل على أضعافه والقضاء عليه. ثم ان هذه الحرب ما زالت في بداياتها. المواجهة طويلة، على ما تقول واشنطن.

بل من غير المستبعد أن يضرب الإرهاب من جديد في الداخل الأميركي، حسب توقعات الخبراء والمعنيين الأميركيين أنفسهم. آخرهم كان رئيس الأركان الجنرال مارتن دامبسي الذي قال أمس إن هذه العمليات «تقع أحياناً». بل كثيراً ما تردد في الأيام الأخيرة بأنها مسألة وقت قبل أن تتكرر هجمة باريس الإرهابية في مكان ما.

من التفسيرات لرسالة الغياب، أن الإدارة ليست متحمسة لتكون طرفاً في «الحرب على التطرف» التي أعلنها رئيس وزراء فرنسا. هي معنية بتطويقه وإدارة أزمته في المنطقة والتحوط لتهديداته خارجها. حربها عليه محصورة في هذه المهمات.

أما معالجة جذوره (الأصولية) فهي مسألة تخص أصحابها في المنطقة. وحده الملف النووي الإيراني هناك يهمها جدياً. تتطلع إلى احتمال عقد صفقة حوله تكون بمثابة إنجاز. مع أنه هناك جدل متواصل منذ فترة، حول هذا الموضوع ومجمل سياساتها في المنطقة. المآخذ عليها أن الاستراتيجية التي أعلنتها تشكو من ضبابية في أحسن أحوالها. ومن المتوقع أن يسخن السجال حولها بعد أن تسلم الجمهوريون مفتاح القرار في مجلس الشيوخ.

واليوم عاد السناتور جون ماكين رئيس لجنة القوات المسلحة في المجلس وفتح عليها النار من زاوية أنه «ليس لدى الإدارة استراتيجية لمحاربة وهزيمة تنظيم داعش»، كما قال. بل ثمة من يرى، في ضوء هجمة باريس، انه حتى محاربة القاعدة في اليمن «فشلت».

التصحيح يستدعي إعادة النظر في مسألتين: القوات البرية التي تتجدد الدعوة الآن في الكونغرس للنظر فيها جدياً ولو أن هناك تحفظات في أوساطه حول مدى اللجوء إلى هذه الورقة. والثانية تتعلق بالموقف من النظام السوري، الذي ثبت حتى الآن أن المواجهة بالصورة المتبعة في سوريا عاجزة عن تحقيق أغراضها.

الجنرال دامبسي كاد أن ينطق بذلك في حديثه أمس مع شبكة فوكس نيوز. «إننا نقوم بتزويد – الرئيس – بالخيارات إزاء النظام. لكن ليس هناك قرار حتى الآن». ولا يبدو أن البيت الأبيض في وارد اتخاذ قرار يخرج عن خطه الراهن. وربما كان غياب إدارته عن تضامن باريس قد جاء ليعكس هذا الواقع.

انتقادات

وجهت وسائل إعلام أميركية أمس، انتقادات لاذعة للرئيس الأميركي باراك أوباما بسبب غيابه عن تظاهرة التضامن الضخمة في باريس بعد الهجمات التي شهدتها فرنسا.

وكتبت صحيفة «نيويورك ديلي نيوز» على صفحتها الأولى متوجهة للرئيس الأميركي بالقول: «لقد خذلت العالم».

ولم يكن أوباما بين القادة الأجانب الذين ساروا جنباً إلى جنب وتقدموا المسيرة في باريس. ومثلت واشنطن السفيرة الأميركية في فرنسا جاين هارتلي.