سيطرت الصدمة على نفوس سكان باريس أمس، بعد حصارين وأعمال عنف على مدى ثلاثة أيام، انتهت بخسائر فادحة في الأرواح، فيما تم الإبقاء على أعلى مستوى تأهب أمني لاعتقال المطلوبة الأولى حياة بومدين، زوجة المسلح أميدي كوليبالي، عشية مسيرة كبرى ضد الإرهاب تنظم في باريس، يشارك فيها معظم القادة الأوروبيين واجتماع لوزراء الداخلية لمناقشة الوضع الأمني، بينما حذرت أميركا من هجمات في الداخل والخارج.

وتقول ماريا بينتو: «لم تعد الأمور كسابق عهدها. تخرج من منزلك ولا تعرف إذا كنت ستعود إليه. ينتابك الخوف.. بسبب هؤلاء المخبولين تخرج من منزلك للتسوق أو لتذهب إلى العمل ولا تدري إذا كنت ستعود إليه».

وقال آخر يدعى ديودون كيمباكيا: «ما حدث أمر مأساوي، ولكننا سننهض من كبوتنا، ونعود إلى سابق عهدنا، ولن يدمرنا هؤلاء الناس».

مكافحة الإرهاب

في الأثناء، أعلن وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف الإبقاء خلال الأسابيع المقبلة على خطة مكافحة الإرهاب المطبقة في المنطقة الباريسية التي رفعت الأربعاء إلى أعلى مستوى، على أن يتم تعزيزها على إثر الهجمات التي وقعت في الأيام الأخيرة.

وقال كازنوف، في ختام اجتماع أزمة في قصر الإليزيه: «إننا معرضون لمخاطر على ضوء الوضع الحالي. ومن ثم من المهم تعزيز خطة الطوارئ التي رفعت في منطقة إيل-دو-فرانس، والتي حملت على اتخاذ تدابير خاصة في باقي أنحاء البلاد خلال الأسابيع المقبلة».

وقتل الأخوان اللذان كانا مطلوبين في الهجوم على مكاتب صحيفة شارلي إبدو أول من أمس، عندما اقتحمت شرطة مكافحة الإرهاب مخبأهم. وانتهى حصار ثانٍ في متجر بباريس بمقتل أربعة رهائن والمسلح، فيما قال مصدر في الشرطة إن رجلاً مسلحاً احتجز أول من أمس موظفتين في محل لبيع المجوهرات في مونبيلييه جنوبي فرنسا، استسلم ليلاً للشرطة والرهينتان بخير.

وكشف المدعي العام لباريس فرنسوا مولان عن قيام روابط «متواصلة ومكثفة» بين شريف كواشي وأميدي كوليبالي من خلال رفيقتيهما. وتعتقل الشرطة منذ الأربعاء الزانة حميد، زوجة شريف كواشي، في حين أصبحت حياة بومدين (26 عاماً)، رفيقة كوليبالي، من جهتها المطلوبة الأولى في فرنسا.

وبحسب النائب العام، إن الزانة حميد «أجرت أكثر من 500 اتصال هاتفي خلال عام 2014 مع رفيقة كوليبالي حياة بومدين التي ترتدي النقاب، ما أرغمها على التخلي عن وظيفتها أمينة صندوق، وفق ما أوردت صحيفة لو باريزيان السبت».

تظاهرة كبرى

في غضون ذلك، تنظم فرنسا اليوم الأحد مظاهرة كبرى تعبيراً عن وحدة الصف ولإدانة الهجمات، ومن المقرر أن تشارك فيها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ورئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون، وماتيو رنتسي، رئيس وزراء إيطاليا، وماريانو راخوي، رئيس وزراء إسبانيا، ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر.

كما ستحضر مسؤولة الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، ورؤساء حكومات تركيا والدنمارك وبلجيكا وهولندا ومالطا وفنلندا ولوكسمبورغ، تلبية لدعوة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند.

ويهدف المؤتمر إلى إبراز التضامن مع فرنسا ورفض الإرهاب، وبحث سبل التصدي لهذه الظاهرة في إطار أوروبي جماعي.

من جهة أخرى، تحتضن باريس اليوم الأحد اجتماع وزراء الداخلية الأوربيين، لبحث التنسيق الأمني في محاربة الإرهاب، وكذلك لتبادل المعلومات حول هذا التحدي المُشترك الذي لن يحل إلا بالتعاون في أوروبا وخارج حدودها.

إلى ذلك، حذرت الولايات المتحدة رعاياها من خطر الاعتداءات في أي مكان في العالم، بعد الاعتداءات الدموية التي وقعت في فرنسا هذا الأسبوع.

مذكرة

وجاء في مذكرة لوزارة الخارجية الأميركية تغطي كل المناطق في العالم أن «الوزارة ما زالت قلقة من التهديدات المتواصلة للقيام باعتداءات إرهابية ومظاهرات وأعمال عنف أخرى ضد رعايا ومصالح للولايات المتحدة في الخارج».

وحضت الوزارة المواطنين على التزام الحذر «في الولايات المتحدة والخارج»، حيثما يتجمع مواطنون أميركيون بأعداد كبيرة، مثل مناطق الجذب السياحي والأحداث الرياضية ومراكز التسوق.

وجاء في المذكرة أيضاً أن «معلومات ذات صدقية تشير إلى أن مجموعات إرهابية تسعى أيضاً إلى مواصلة شن هجمات ضد مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وحتى في أميركا»، مسمية تنظيماً في سوريا والعراق وحزب الله، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وتنظيم القاعدة في اليمن.

محادثة هاتفية

قبل ساعتين من مقتله، أجرى المتشدد أميدي كوليبالي الذي احتجز رهائن في متجر يهودي في فانسين في باريس، اتصالاً هاتفياً مع قناة «بي إف إم تي في». وجاء في نص المحادثة أنه حاصر المتجر، لأن الدولة الفرنسية تهاجم تنظيم داعش، مشيراً إلى أنه تلقى تعليمات دقيقية للهجوم، إذ كان على اتصال دائم مع الشقيقين منفذي عملية الهجوم على صحيفة شارلي إيبدو، فيما نفى وجوده مع زوجته حياة بومدين، كما نفى ذهابه إلى سوريا.

اليمين المتطرف يستغل الظرف لتقوية صفوفه

 

من سيشارك في المسيرة الجمهورية اليوم الأحد، كل الفرنسيين مدعوون للمشاركة في هذه المسيرة الجمهورية التي ستنظم في باريس، وهذا بدعوة من الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند شخصيا..

وأحزاب اليسار الحاكم، حيث قال هولاند الخميس «يمكن لكل المواطنين أن يشاركوا، وهم من يقررون» مشددا على ضرورة «رفض المزايدات»، في ظل تحفظات كثيرة في الطبقة السياسية والمجتمع الفرنسي من مشاركة اليمين المتطرف بقيادة الجبهة الوطنية وزعيمتها مارين لوبان التي زاد رصيدها في المجتمع الفرنسي في السنوات الأخيرة.

تذمر

وما زاد من تذمر الكثيرين من إمكانية مشاركة اليمين المتطرف في هذه المسيرة هو استغلال الزعيم الروحي لليمين المتطرف في فرنسا جان ماري لوبان (والد مارين) ظروفاً أليمة تمر بها فرنسا (عمليات إرهابية واحتجاز رهائن) لأغراض سياسية وانتخابية حيث نشر صورة ابنته على حسابه على تويتر مكتوب عليها «إذا أردتم الأمان، صوتوا عليها».

اتهامات

فالجبهة الوطنية متهمة منذ زمن طويل بتنمية مشاعر الحقد على المهاجرين والفرنسيين من ذوي الأصول الأجنبية. ولم تخف زعيمة الحزب مارين لوبن التي استقبلها الرئيس فرانسوا هولاند في إطار مشاوراته مع قادة الأحزاب السياسية في البلاد، غضبها من إقصائها وقالت «إذا كانت وحدة وطنية يقصى منها عشرون بالمئة من الناخبين فهي ليست وحدة»، بينما اعتبر أبوها جان ماري لوبان أن الجبهة الوطنية «أقصيت ضمنا ممن أطلقوا عليه اسم الوحدة الجمهورية».