تشهد ليبيا أسوأ أزماتها منذ أحداث عام 2011، التي أطاحت بنظام حكم الرئيس الليبي السابق معمر القذافي. فقد عاشت ثلاث سنوات من دون حكومة فاعلة، أو شرطة أو جيش، وتقطعت أوصالها تحت ضربات المجموعات المتناحرة من المقاتلين السابقين لنظام القذافي، الذين أداروا دفة السياسة منذ سقوطه بالرشاشات والأسلحة المضادة للطيران. واشتد وطيس المعارك أخيراً في ليبيا، وأفادت منظمة إحصاء عدد القتلى المحلية المستقلة في ليبيا أن عدد القتلى في عام واحد فقط تجاوز 2700 قتيل، والرقم مرشح للارتفاع يومياً مع تصاعد حدة القتال.

وبرز معها فصيلان متخاصمان، يتزاحمان للسيطرة على البلاد. فمن جهة، هناك البرلمان المنتخب حديثاً، المنفي إلى مدينة طبرق شرقي البلاد، والمدعوم من بقايا جيش القذافي المنشق خلال الثورة، بالإضافة إلى معظم دول المنطقة. ومن جهة أخرى، هناك حركة «فجر ليبيا»، وهي عبارة عن تحالف من المقاتلين والسياسيين المتعاطفين مع الحركات الدينية، وقد نشأت في مصراته، غربي ليبيا، بدعم من تركيا وبعض الدول الأخرى. بوجود حكومتين وبرلمانين، يحكم كل منهما قبضته على السلطة ومصادر التمويل، ليست هناك من سلطة واحدة يمكن طلب مساعدتها.

المال والحرب

يشكل المال والحرب الموضوعين الأساسيين للحديث في ليبيا، حيث سلطات ووزارات النفط في البلاد تقع في أيدي «فجر ليبيا»، التي تدعي أنها الحكومة الشرعية للبلاد. وقد تعزز موقف الحركة المؤيدة للتحالف الإسلامي، بعد قرار صدر في نوفمبر الماضي عن المحكمة العليا في ليبيا حل فيه مجلس النواب، والتعديل الدستوري الذي أجريت على أساسه انتخابات يونيو الماضي.

كان يفترض بالأمم المتحدة أن تترأس جولة جديدة من المحادثات بين الفصائل المتناحرة في ليبيا، أخيراً، إلا أنها لم تتمكن حتى الآن من تحديد موعد لذلك، ولا وضعت جدول أعمال لحل الأزمة. في حين لا تبدو حكومة طبرق بمزاج يسمح للمحادثات، وقد شن الفريق الليبي خليفة حفتر ما أسماه «حرباً على الإرهاب»، وترأس «جيش ليبيا الحر»، ويبدو أنه مؤمن بأن الظروف في صالحه. وقد قال متوعداً بشن المزيد من الضربات الجوية عل مصراته: «لا يمكن لنا المضي بحكومتين وبرلمانين، لذا يجب حلّ حركة (فجر ليبيا) وإلا سنعتقل أفرادها جميعاً». وقد أيده في ذلك رئيس وزراء حكومة طبرق عبد الله الثني.

ويعلم الثني جيداً أن بسط سلطة الحكومة على كل ليبيا يتطلب تدفقاً هائلاً للأموال، وقد صرح في هذا الصدد قائلاً: «يتعلق الأمر بالجهة التي تسيطر على المال. يمكننا تغيير وجهة تدفق مداخيل النفط إلى المصارف التي نختار، بحيث تقبع (فجر ليبيا) في طرابلس وتبتكر سلطاتها، دون أن تسيطر على شيء في الواقع».

الحركة المنافسة

أما في طرابلس فإن بروز حركة «فجر ليبيا» واضح للعين بمجرد سلوك شوارع العاصمة، حيث إن المقاتلين الشرسين طردوا مؤيدي حكومة طبرق، وأحلوا مقاتلي مصراته محلهم، رافعين شعار« تصحيح مسار ثورة 17 فبراير». ويتمتع رئيس وزراء حكومة طرابلس الخمسيني، عمر الحسي بأفكار منافسيه عينها، حيث سارع للاستيلاء على ما تبقى من مؤسسات ليبيا، وجعل من مؤسسة النفط الوطنية مقر إدارته، وعين وزيراً للنفط موالياً له. وقد بدا غير مستعد للمساومة، واصفاً الثني وحفتر بالمجرمين، وداعياً المجتمع الدولي لمقاطعة حكومة المنفى.

ودعا الحسي إلى إجراء انتخابات نيابية جديدة «ما إن تتوقف الحرب»، وقال إنه حتى ذلك الحين ستتولى «حكومته الإنقاذية» الحكم وتتولى محادثات السلام. وتعهد أن تمثل حكومته الحوار، إلا أن مقاتليه بدوا مصممين على قتال حفتر حتى الموت. وفي حين توحد مشاعر الكراهية ضد حفتر الميليشيات كل تحت راية حركة «فجر ليبيا»، إلا أن وجهات النظر المتباعدة لمختلف الفرقاء حول مستقبل البلاد قد تفرقهم في المستقبل.

تعيش الفئات الليبية الأكثر فقراً في ليبيا ويلات الأزمة التي تضرب البلاد، ولم يتبق أمام هؤلاء، في ظل غياب مسؤولين حقيقيين عن حكم ليبيا، سوى أن يدافعوا عن أنفسهم بأنفسهم.

بين نارين

يكافح المصرف المركزي الليبي للحفاظ على حياديته. وقد رفض تجيير عائدات النفط إلى أي من الحكومتين، منذ قرار المحكمة حل البرلمان وإلغاء الانتخابات. وأدى سلوك المصرف إلى جعل قرار حكومة طبرق وموازنته البالغة 42 مليون دولار أميركي، والمخصصة للسنة المالية 2015 مجرد حبر على ورق. وهذا الأمر يعني الحرب، بالنسبة للسياسيين والقادة العسكريين في طبرق.

ويكافح مئات ألوف المدنيين الهاربين من الحرب للبقاء على قيد الحياة مع تدني درجات الحرارة، وعدم تمكن هيئة المساعدات من تأمين احتياجات ملحة، مثل الرعاية الصحية، والطعام، والمأوى. وتقول إحدى الأمهات الشابات: «جلّ ما نريده هو أن نعود إلى بيوتنا، ولهذه الحرب أن تتوقف. لقد وُعدنا بالحصول على كل شيء. ثلاث سنوات مضت حتى الآن، فعلام حصلنا؟».