في الوقت الذي تبحث أميركا كيفية الرد على كوريا الشمالية، لاعتقادها بتورطها في الدخول غير القانوني على شبكة حواسيب شركة «سوني إنترتاينمنت»، يتصدر تشديد العقوبات لائحة الخيارات المقرر اعتمادها. وقد عاينت، خلال الزيارات التي قمت بها للدول المستهدفة، إمكانية ظلم هذه الاستراتيجية أشخاصاً أبرياء لا يعرفون شيئاً عن الخلافات الدولية، ويتعرضون أساساً لمعاناة حكم قادتهم المستبدين.

غالباً ما يكون فرض الحظر الاقتصادي على الأنظمة البغيضة غير فاعل، ويمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية. ففي كوبا، حيث الإعلام السياسي يخضع لسيطرة الحكومة، يعتقد العديد من الناس أن محنتهم الاقتصادية سببها الولايات المتحدة، وأنهم تحت حماية قادتهم الشيوعيين، الذين يعززون قوتهم بادعائهم الدفاع عن شعبهم.

لكن الوضع أكثر مأساوية في كوريا الشمالية، حيث لا تتوافر أي من تلك الميزات. وقد تم التشدد في تطبيق العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة قبل 64 عاماً، وبذلت كل الجهود الممكنة للحدّ من أو تدمير اقتصاد كوريا الشمالية. وقد أجريت خلال زيارتي لبيونغيانغ محادثات مطولة مع المسؤولين الحكوميين والقيادات النسائية المؤثرة، وقد أكدوا وجود كارثة الجوع، حيث يتراوح عدد الوفيات نتيجة للمجاعة بين 300 ألف و800 ألف يومياً.

عام 2001، رتب مركز كارتر زيارة للمسؤولين للزراعيين في كوريا الشمالية إلى المكسيك، ليتعلموا كيفية زيادة إنتاج محاصيلهم المحلية، علماً أن مساهمات أميركا من الحبوب قد وصلت إلى 695 طنا في أواخر التسعينيات خلال الفترة القصيرة من المصالحة الكورية الأميركية، إلا أنها تقلصت كثيراً في عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، وتوقفت تماماً في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما عام 2010. وأبلغتني وزارة الخارجية الأميركية في حينه، أن المشكلة الأساسية كانت عدم سماح كوريا الشمالية بالإشراف على توزيع حصص الطعام.

عدت عام 2011 إلى كوريا الشمالية برفقة الرئيس الفنلندي السابق مارتي أهتيساري، ورئيسة إيرلندا السابقة ماري روبنسن، ورئيسة وزراء النرويج السابقة غرو برانتلاند، وهي طبيبة عملت مديرةً لمنظمة الصحة العالمية. توقفنا أولاً في بكين، حيث أكد مسؤولو المنظمة عدم وجود قيود على مراقبة تسليم الطعام لعائلات كوريا الشمالية. وقاموا بمرافقتنا إلى المناطق الريفية الكورية، حيث كانت العائلات تتسلم حصصاً غذائية صغيرة. وقد أصدرت الحكومة تعهداً يضمن مراقبة أميركا والجهات المانحة الأخرى لعمليات تسليم الطعام. وأرسلت إلى واشنطن تقريراً مرفقاً بمعلومات تقدر تعرض ثلث أطفال كوريا الشمالية لسوء التغذية وتعثر النمو، إلا أن الحكومة لم تتخذ أية إجراءات بهذا الخصوص.

ما من عذر يبرر القمع من جانب الأنظمة الدكتاتورية، إلا أن مستوى القسوة في التعامل يعتمد بجزء منه على عدم رضا الشعوب الجائعة التي تميل إلى طلب الإغاثة عبر التظاهر، والتعرض للعقاب أو الإعدام. النخبة السياسية في كوريا الشمالية لا تعاني من الحرمان، الذي تحمّل دعاية القادة الشاملة مسؤوليته لأميركا. الهدف الأولي للدكتاتوريين هو البقاء في السلطة، ونحن نساعدهم على تحقيق هدفهم عبر معاقبة شعوبهم المظلومة أصلاً. وحين يشكل الضغط غير العسكري على الحكومات ضرورةً، ينبغي على العقوبات الاقتصادية التركيز على الحسابات المصرفية الأجنبية، وليس على تدمير الظروف المعيشية للشعوب المقموعة.

لا حرمان للأغنياء

قمت بزيارة منازل الرئيس الكوبي السابق فيديل كاسترو وأخيه وبعض كبار مسؤولي النظام، حيث اتضح أن ظروفهم المعيشية لم تتأثر بفعل الحظر. في حين أن عدداً من العائلات الكوبية تعيش حرماناً من المداخيل جيدة، وبعض الأطعمة، والهواتف الخلوية، وخدمات الإنترنت، والحريات الأساسية، لكنها تحصل على الأقل على تعليم ورعاية صحية جيدين، وتعيش في مناطق استوائية، حيث التربة غنية والمحاصيل وافرة.