لقد تحولت فنزويلا إلى «فافيلا كبيرة». هذا ما يردده الكثير من المحللين في أميركا الجنوبية هذه الأيام للدلالة على تدهور أحوال المعيشة في البلد العضو في منظمة «أوبك». والـ«فافيلا» مصطلح يُستخدم في المنطقة هناك ويعني الأحياء العشوائية التي تحيط بالمدن الكبيرة في القارة مثل ريو دي جانيرو وبوينس آيرس وكاراكاس.

ويحرص نظام الرئيس نيكولاس مادورو على عدم إصدار البيانات الاقتصادية الدورية في الآونة الأخيرة لإدراكه أن تلك البيانات لن تحمل معها سوى الأخبار السيئة.

فإجمالي الناتج المحلي انكمش بنسبة 4.2 في المئة في الأرباع الثلاثة الأولى للعام الجاري. وسجل التضخم في آخر قراءة له أغسطس الماضي 63 في المئة على أساس سنوي، وهو واحد من أعلى المعدلات في العالم، ويبلغ وسطياً في الشهر 5 في المئة، بينما لم يتجاوز معدل نمو الاقتصاد الفنزويلي 1.3 في المئة ويتوقع أن ينكمش إلى 1 في المئة فقط العام المقبل.

وفي ظل دراسات حصيفة من كبريات المعاهد المالية في العالم تتحدث عن ملامح كارثة خلال عقدٍ إن استمرت السياسات الاقتصادية للنظام الفنزويلي على هذا النحو، فإن المواطن العادي يجد نفسه أكثر فأكثر أمام معضلة انخفاض القدرة الشرائية المتوازية مع وصول التضخم إلى أرقامٍ فلكية. فالراتب يسمح حالياً بشراء منتجات أقل بـ13 في المئة مما كان قبل 12 شهراً.

وسعر صرف الدولار الواحد في السوق الموازية (السوداء) قفز إلى 150 بوليفاراً مقابل 40 مطلع 2014 و6.3 فقط في السوق الرسمية، ما يكشف العزلة الكبيرة عن الواقع التي يعيشها أولي الأمر في كاراكاس.

وعليه، يلاقي الفنزويليون صعوباتٍ متزايدة في تأمين منتجات بسيطة تعتبر من البدهيات من قبيل الحليب والطحين ومزيل الرائحة والمناديل وشفرات الحلاقة وسائل جلي الأطباق، وهي حالة يعرفها تماماً من عايشوا التجارب الاشتراكية الفاشلة ومستنسخاتها حول العالم من الاتحاد السوفييتي إلى سوريا.

ودفع انعدام الأمن وقلة الفرص في سوق العمل وانسداد الآفاق الاجتماعية والسياسية، مع النزعات التسلطية المتزايدة لمادورو، مئات آلاف الفنزويليين إلى هجر بلادهم التي لطالما اعتبرت أرض الفرص بالنسبة إلى الكثيرين.

ويبلغ عدد الذين هاجروا بين 2000 و2010 نحو 800 ألف، فيما تملك عائلة من كل أربعة (25 في المئة) قريباً أو صديقاً ترك فنزويلا.

تأميم وعنف

كذلك، يستمر النقص في العملات الصعبة منذ عامين ولن يتحسن على المدى القصير على اعتبار أن لا زيادة محتملة في أسعار النفط الذي تعتمد عليه البلاد بشكلٍ كبير.

كما أن سياسة التأميم، التي يعتبرها النظام الفنزويلي علامته التجارية، سمحت للمسؤولين الحكوميين بتشكيل مافيا خفية في أروقة الحكومة سيطرت على بيع وتصدير واستيراد العديد من المنتجات الحيوية والتي تتراوح من الإسمنت والنفط إلى البن والسكر ودفعت المشترين إلى دفع رشى إلى المسؤولين المتنفذين للحصول عليها أو تسهيل عملياتهم.

وتالياً، انعكس كل ذلك على الأمن، حيث قُتل ما يقرب من 25 ألف شخص خلال العام الماضي بحوادث العنف المتفرقة وتصل معدلات الجريمة إلى 53 من أصل مئة ألف ساكن سنوياً بحسب ما تؤكد إحصاءات الأمم المتحدة.

الثابت، أن فنزويلا بحاجة إلى عهدٍ جديد بعد قرابة 15 عاماً من الاشتراكية المتشددة والنموذج البوليفاري الشعوبي اللذين انتهجهما الرئيس الراحل هوغو شافيز وهزما بالضربة القاضية الطبقة الوسطى التي باتت أثراً بعد عين.

 وطوابير الروس الذين كانوا يقفون أمام المتاجر لساعات في درجات حرارة تحت الصفر إبان حقبة الشيوعية في الثمانينات للظفر بعلبة مخلل أو شاي، قد تتكرر في القريب العاجل في كاراكاس إن لم يفهم صانعو التوجه الاقتصادي هناك أن الشعارات الديماغوجية لا تبني طرقاً أو مصانع، والتخطيط السليم لمستقبل الفنزويليين خارج إطار الإيديولوجيا اليسارية العقيمة أبدى من استراتيجية مد بعض الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط بالنفط.

عقوبات

وافق الكونغرس الأميركي على مشروع قانون يفرض عقوبات على مسؤولين فنزويليين. ويستهدف مشروع القانون مسؤولين تورطوا في حملة لقمع المعارضين أثناء تظاهرات استمرت ثلاثة أشهر للاحتجاج على تفشي الجريمة وتدني الاقتصاد، والتي قتل خلالها 43 محتجاً.