بعد خمس سنوات تحقيق وتدقيق في ستة ملايين وثيقة وبكلفة خمسين مليون دولار، أصدرت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ تقريرها في قضية التعذيب الذي مارسته «السي آي ايه» مع المعتقلين في عمليات 11 سبتمبر.
وقد كشفت فقط عن موجز له بحجم 524 صفحة من أصل ما يزيد على ستة آلاف صفحة. وإذا كان قد أثار خلافات حادة قبل نشره، بين المؤيدين والمعترضين على كشف مضمونه، فإن إعلانه قد تسبب بعاصفة من الردود الممزوجة بالذهول لما احتواه من معلومات عن صنوف التعذيب المحظور الذي لجأت إليه الوكالة وما رافقه من تضليل وتلفيق لحجب تفاصيله وضمان الاستمرار في ممارسته بعيداً عن الرقابة والضبط.
وقد جرى ذلك بتعليمات « من فوق » حسب التقرير وبتوجيه مباشر من كبار مسؤولي الوكالة والإدارة. ربما كان الرئيس بوش في العتمة لناحية التفاصيل، لكنه كان موافقاً من حيث المبدأ على ضرورة انتزاع المعلومات من العناصر التي ألقي القبض عليها.
ما كشفه التقرير حول الأساليب، كان بمستوى الفضيحة المحرجة. حرمان من النوم لمدة أسبوع، تهديد بالقتل، ترك معتقلين «عراة في الظلام أيام البرد مما أدى إلى وفاة أحدهم يدعى غل رحمان»-- العنصر الذي كان يتولى أمره جرى ترشيحه لنيل مكافأة بقيمة 2500 دولار – ووضعهم في « زنزانات بدوا فيها وكأنهم كلاب بالكمامات».
والباقي من الأساليب لا يليق ذكره بالأسم، تمت ممارسته في «سجون سرية في تايلاند ورومانيا وبولندا وليتوانيا وسجن غوانتنامو» شرود حمل بعض ضباط الوكالة الذين كانوا يشرفون على هذا البرنامج في الخارج يشككون بمشروعية هذا السلوك و« يلفتون المديرية إلى هذه الناحية، لكن هذه كانت لا تأبه للأمر»،على ما ذكر التقرير.
خطان موازيان
وفيما كان يجري التعامل مع المعتقلين بهذه الطرق، كان مدير الوكالة وكبار مساعديه يعملون على خطين موازيين: تطمين البيت الأبيض والكونغرس حول صحة وقانونية الأساليب ومن ناحية أخرى « تضخيم » مردوداتها الإيجابية. في حين كان ذلك نقيض ما يحصل. مدير السي اي ايه آنذاك، مايكل هايدن كان يوعز لمعاونيه بتقديم معلومات كاذبة. مثلاً أوعز إليهم بأن لا يفصحوا عن العدد الصحيح للمعتقلين: « أذكروا أن لدينا فقط 98 منهم، الباقي لا داعي لذكره».
التقرير كشف أنهم كانوا « 119، منهم 26 لم يكن هناك ما يبرر اعتقالهم». بل أن «اثنين منهم جرى الاحتفاظ بهما على قاعدة معلومات فبركتها الوكالة ».
حفلة خداع وفلتان استمرت سنوات، لابدّ وأنه كان هناك في القيادة من وفّر لها الحماية والغطاء. والأرجح أن نائب الرئيس آنذاك ريتشارد تشيني، كان الموعز والحامي لذلك الشطط. وربما كان ترك الرئيس بوش في العتمة لناحية التفاصيل، قد جرى بإيعاز منه.
والمعروف أن بوش مبتعد منذ سنواته الأخيرة في الرئاسة، عن تشيني. والبعض يقول إنه ثمة شعور بالمرارة بين الاثنين. ولم يكن مصادفة أن تشيني كان أمس من أشد المهاجمين لتقرير اللجنة والمدافعين عن تلك الأساليب بزعم أنها كانت لازمة ومفيدة. في حين أن اللجنة وصلت إلى قناعة بأن الطرق الفجّة التي استخدمتها السي أي ايه، لم تكن نتائجها مجدية ولا هي ساهمت في الكشف عن بن لادن كما زعموا.
سلوك مخادع
التقرير يدين التعذيب. فهذا مخالف للقانون «ولا بدّ من فضحه كما جرى فضح التجاوزات الأميركية في اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية » على حد تعبير أحد المراقبين. لكن التركيز كان على السلوك المضلل والمخادع الذي اعتمدته الوكالة، سواء في إخفاء التفاصيل أو لناحية التنويه بالفوائد المزعومة التعذيب.
وبذلك سجّل الديمقراطيون ضربة سياسية للجمهوريين، الذين أصابهم الارتباك، باعتبار أن هذا الفجور في الممارسة جرى في زمن إدارة جمهورية وبتوجيه من قيادات جمهورية.
لكن الس أي ايه تبقى الخاسر الأكبر. خاصة إذا ما أدى ذلك إلى ردود فعل أمنية في الخارج تتخوف واشنطن من وقوعها. أو إذا ما تركت هذه اللطخة أثرها على صدقية الوكالة في تعاملها مع الاستخبارات الأجنبية.
