للمرة الثانية في أقل من أسبوعين، ينفجر الشارع الأميركي احتجاجاً على تغاضي القانون عن ذنب الشرطة في مقتل شاب من الأميركيين السود في نيويورك. الانحياز الفاقع حكمه التمييز العنصري لأن رجل الأمن أبيض.
الفيديو الذي التقط الحادثة يكشف بوضوح شراسة الشرطة التي أدّت إلى وفاة الضحية الأعزل، الذي كانت جريمته أنه خالف القانون ببيع السجائر بالمفرّق في الشارع. مع هذا قضت هيئة المحلفين بعدم اتهام رجال الأمن. قوة فجّة وقانون أفجّ.. والحصيلة فضيحة.
وزاد من وطأتها، أنها جاءت بعد أيام قليلة من قرار مشابه قضى بإعفاء شرطي في ولاية أخرى أطلق سبع رصاصات، على أسود في السابعة عشرة من عمره لم يكن بحوزته أي سلاح فأرداه قتيلاً.
تلا ذلك مقتل فتى أسود في الثانية عشرة من عمره في ولاية ثالثة، اشتبه بأنه يحمل مسدساً في يده تبيّن أنه كان من بلاستيك. ثم رابع في ولاية أخرى. وقد تكررت هذه الحوادث في الأشهر الأخيرة، حيث سقط عدد من المواطنين السود بدون مبرر.
تجاوزات الشرطة
وفي الأسبوع الماضي صدر تقرير أعدته وزارة العدل الفيدرالية حول تجاوزات الشرطة في مدينة كليفلاند واحتوى على معلومات مثيرة تظهر وكأن رجال الأمن فيها «يتصرفون بما يشبه قوة احتلال» حسب تعبيره.
فقد عثر على «حالات كثيرة من رعونة وإساءة لاستعمال السلطة واستخدام القوة والسلاح القاتل بصورة مفرطة» ويضيف التقرير أن مثل «هذا السلوك يُمارس في مدن أخرى».
ولا يبدو هذا الشطط في النظامين الأمني والقانوني أنه ناتج عن رخاوة في الانضباط المهني أو عن خلل في نظام هيئة المحلفين. لو كان الأمر كذلك لكانت مظاهره محصورة في أماكن قليلة معينة. انفلاشه وتزايد تعبيراته النمطية بهذه الصورة الفظّة تفوح منهما رائحة العنصرية. فليس صدفة أن تكون الضحية في كل هذه الحالات من السود ويكون الإعفاء من حظ الشرطي الأبيض.
التمييز بين اللونين قديم وعميق. يعود إلى زمن العبودية. في القانون، انتهى منذ أوسط ستينيات القرن الماضي. في الثقافة السائدة، ما زالت بقاياه كامنة وإن كانت تعبيراته مكبوتة. لكن في السنوات الست الأخيرة من رئاسة أوباما أخذ شحنات كبيرة من الحقن.
أدبيات اليمين المحافظ، السياسية والإعلامية، كانت وما زالت عابقة بالكراهية والتحريض ضد اوباما الشخص وليس فقط أوباما السياسي. أخذت طابع الحملة المتواصلة ضدّه والتي لم تخل أحياناً من الطابع العنصري المكشوف.
تسميم الأجواء
هذا الخطاب ساهم في تسميم الأجواء وبالتالي في إنعاش النعرة العنصرية التي يبدو أنها اجتاحت الجهات المفترض فيها أن تكون ساهرة على الأمن وتطبيقه وكذلك الجهة المؤتمنة على محاسبة أجهزة الأمن لو هي تجاوزت القانون.
فكانت النتيجة أن صار في الساحة صنفين من الأمن ومن القانون. لكل واحد ثقافته. بالنسبة إلى السود تحوّل الأمن إلى سلطة بوليسية. كما تحول القانون إلى درع ليحمي الممارسة البوليسية ولتستقوي به.
على الأقل هذا ما رست عليه القناعة العامة في أعقاب الأحداث الأخيرة التي فجرت التظاهرات اليومية المتواصلة في كبريات المدن الأميركية. الإيجابي فيها أنها جاءت تضامنية واسعة، شملت السود والبيض والأقليات. خاصة في مدينة نيويورك.
كذلك أنها حملت السلطات الفيدرالية على التحرك على مستوى التحقيقات بالرغم من اعتراض قيادات في صفوف المحافظين التي لم تخف تعاطفها مع رجال الشرطة خاصة في حالة مثل حادثة نيويورك التي تنطق وقائعها بخطورة الشطط الذي حصل.
أميركا المحكومة بتحمل لونين، لا تقوى على تحمّل أمنين وعدالتين. ومن هنا خطورة الشطط الأخير ومسارعة المعنيين إلى التصحيح.
