القرار الذي أصدرته هيئة المحلفين في مدينة فرغسون الأميركية، بعدم اتهام شرطي قتل شاباً من السود، أعاد الالتهاب إلى الجرح العنصري القديم في أميركا. ومثل كل مرة في مثل هذه الحالة، انفجر الرفض الأسود المكبوت بصورة غاضبة وعنيفة.

أعمال شغب ومواجهات مع الشرطة وعمليات تخريب وإحراق ممتلكات رافقها أعمال نهب وتكسير وسقوط جرحى، ما استدعى نشر قوات الحرس الوطني في المدينة واضطرار الرئيس الأميركي باراك أوباما لتوجيه نداء مكرر دعا فيه إلى الهدوء والاكتفاء بالتظاهر السلمي.

وازدادت الخشية من انتشار الفوضى على أثر انتقال حركات الاحتجاج إلى المدن الأميركية الكبرى، التي بقيت عموماً تحت السيطرة.

ما أثار ردة الفعل العارمة هذه، أن القرار جاء فاقعاً في انحيازه لصالح الشرطي الأبيض. ظروف الحادثة وعدم حياد المدعي العام بل عنصريته، ينطقان بذلك. فابن السابعة عشر عاماً لم يكن بحوزته أي سلاح. مع ذلك تلقى سبع رصاصات قاتلة. ثم ان المنهج الذي رسمته النيابة العامة لهيئة المحلفين في بحثها عن عناصر الحادثة، جاء بصيغة تؤدي إلى صدور قرار يرفع التهمة – وليس البراءة – عن الشرطي.

في ضوء هذه المعطيات التي جاء القرار على نقيض ما يترتب عليها، حسب غالبية آراء الحقوقيين والهيئات المدنية، اندلعت المواجهات فور إعلانه. وما زاد من حدة ردة الفعل أن هذه العدالة المختلة مزمنة في أميركا.

 لها سوابق وتاريخ. وكأن هناك صنفين من القانون تكرّس معهما نمط تقول وقائعه بأن الشرطة الأميركية إجمالاً، تتعامل مع الأميركيين السود وخاصة شباب المدن منهم، بصورة دونية وتمييزية صارخة. التهمة ضدهم جاهزة في معظم الحالات.

هم موضع اشتباه مزمن. يعزز هذه النظرة أن مستوى الجريمة في صفوفهم عالية، بحكم أوضاعهم الاجتماعية وظروف الإهمال التي يعيشونها وتدني المستوى التعليمي في صفوفهم. رجل الأمن يضع الأسود في خانة المخالف أو المتهم مسبقاً.

تقليدياً يُنظر إليه على أنه معاد للقانون والنظام العام. وعلى هذه الخلفية، يجري التعامل معه بإجحاف وظلم مزدوج: مرة مع الشرطة ومرة أمام القانون.

عندما يلقى القبض عليه لحظة وقوع الحدث حيث يتعرض لاستخدام القوة المفرطة وأحياناً القتل المباشر. وعندما يمثل أمام العدالة ليخرج رجل الأمن من دون معاقبة وكأنه قام بواجبه فقط ولو كان قد تمادى في إجراءات التوقيف باستخدام الضرب المبرح أو التصفية الجسدية، كما حصل في فرغسون.

وهذه ليست المرة الأولى. لقد وقعت حوادث فاضحة في انحيازها وتسبب اعوجاج القانون في معالجتها بانفجارات في الشارع بقيت تتفاعل لمدة طويلة.

من أشهرها حادثة 1992 في لوس انجلوس والتي أدت إلى مصادمات واسعة وعنيفة. وبين الفينة والأخرى يتكرر هذا السيناريو الذي يعطي بقايا العنصرية شحنة جديدة من الانتعاش الكفيل بإعادة إنتاجها.

قطعت أميركا شوطاً بعيداً على طريق الخروج من شرنقة التمييز العنصري. القوانين أنهت آخر أشكالها مع منتصف الستينات بصدور تشريعات الحقوق المدنية في عهد الرئيس ليندون جونسون. لكن زوالها من النصوص لم يفلح في القضاء عليها كلياً في النفوس.

رواسبها بقيت تأخذ تعبيرات ملتوية من وراء القانون. أسوأ وأخطر هذه التعبيرات هي التي تحصل على يد الأجهزة المفترض فيها أن تسهر وتحرص على محاربة العنصرية اللاقانونية: عناصر من رجال الشرطة ومن ممثلي النيابة العامة.

 نتوءات تكفل استمرار الخلل المعيب والمهين لشريحة من المواطنين الأميركيين، في بلد يتباهى بسيادة القانون الذي يسود فعلاً في مختلف نواحي الحياة، باستثناء هذا الجانب الذي ما زالت العنصرية متغلغلة في ثناياه وعصية على الاستئصال. أو بالأحرى على إعطائها الاهتمام الكافي لاستئصالها من الجسم الأمني – القانوني الأميركي.