لم تكن انتخابات بقدر ما كانت استفتاء. المنافسة بين مرشحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري على «ثلث مقاعد مجلس الشيوخ الـ33 وكامل مجلس النواب 435»، كانت إلى حدّ بعيد بمثابة تصويت مع أو ضدّ الرئيس الأميركي بارك أوباما.

ما كان للجمهوريين أن ينتزعوا الغالبية ولو البسيطة في الشيوخ، لو خاضوا المعركة على أساس برامج وطروحات. فهم لم يفوزوا بالأكثرية، بل هي انتقلت إليهم بحكم رسوب الرئيس وحزبه في الامتحان، حيث نجحوا في تحويل الانتخابات إلى استطلاع حول أوباما.

برعوا في إخراجها بهذه الصورة. وظّفوا رصيد الرئيس المتآكل لتأليب الناخب ضد مرشحي حزبه. والمفارقة أن العديد من هؤلاء المرشحين ساهم في تعزيز مثل هذا التأليب، من خلال وضع فاصل بينه وبين الرئيس واستبعاده من حملته الانتخابية. ومعظم هؤلاء فشل.

إحباط من رئاسة أوباما

لكن الواقع، أن هناك خيبة وإحباطاً من رئاسة أوباما. بصرف النظر عن جدارة هذا المزاج. شعبيته هابطة. فالنظرة إليه تبدّلت من رئيس عازم إلى رئيس ضعيف الهيبة وغير حاسم. إخفاقاته الخارجية ساهمت في ترسيخ هذه الصورة ولو أن السياسة الخارجية كانت خارج هذه الانتخابات، وكانت التوقعات أن تكون الأوضاع أفضل.

نسبياً هي كذلك. لكن المردود غير محسوس. طروحات أوباما سليمة. لكنه لم يقو على ترجمتها. صحيح أن الكونغرس، بجناحه الجمهوري، وضع العصي في دواليب قطاره الداخلي.

لكنه افتقر إلى البراعة السياسية – كالتي امتلكها سلفه الرئيس بيل كلينتون – للتعامل مع العوائق وتقليل خسائرها. فكانت الحصيلة أن تنامى إحساس بأن الأمور ليست على ما يرام وجرى تدفيع أوباما وحزبه الثمن. فهو الرئيس والمسؤولية بالنهاية تقع على عاتقه. مع أن الأزمة عضوية وأعتا من أن يصحّ التصدي لها بالسهولة والبساطة التي تتحدث عنها مزايدات الجمهوريين.

كلفة أكبر

في كل حال، شكلت هذه الانتخابات - الاستفتاء الأكثر كلفة في تاريخ الكونغرس «أربعة مليارات دولار منها 2.5 مليار للإعلانات المتلفزة»، صدمة وإدانة لرئاسة أوباما. انحسار للمدّ الديمقراطي الذي حمل أوباما إلى الرئاسة.

تراجع فسح المجال لعودة المدّ الجمهوري بصورة وازنة، سواء في مجلسي الكونغرس أو في حاكمية الولايات. كثير من الولايات المحسوبة على الخندق الديمقراطي، غادرت موقعها لصالح الخندق المقابل.

ويأتي ذلك قبل سنتين من انتخابات الرئاسة، بحيث يمكن أن يكون مؤشراً لوجهة رياحها. خاصة وأن الجمهوريين أمسكوا بمجلسي الكونغرس. ومن هذا الموقع يمكنهم إحراج الرئيس ورمي الكرة في ملعبه بحيث يبدو وكأنه يمارس العرقلة لتحريك عجلة تمرير المشاريع الممهورة بخاتمهم.

العلاقة بين الاثنين لا بدّ وأن تحكمها اعتبارات معركة الرئاسة. ثم إن التعاون الذي تعذر حصوله بينهما في السنوات الست الماضية، ليس من المتوقع أن تستقيم حاله بعد معركة كسر عظم محكومة بأن تكون مدخلاً لانتخابات الرئاسة المقبلة.

السيناتور الجمهوري ميتش ماكونيل، رئيس الأغلبية المقبل، أوضح في أول تصريح له بعد الإعلان عن فوزه، أن الكونغرس الجمهوري سيعمل على «تغيير الوجهة التي تسير فيها أميركا» ترجمة ذلك: نسف سياسات وبرامج أوباما. الأمر الذي لن يحظى بموافقة الرئيس المتسلح بحق الفيتو لإحباط أي محاولات من هذا النوع إذا ما استهدفت البرامج التي التصقت باسمه مثل برنامج الرعاية الصحية.

بأي حال ومهما كانت العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس في السنتين المقبلتين، والتي من المرجح أن تكون باردة في أحسن أحوالها، بالرغم من الحديث عن تنازلات محتملة من الجانبين، فإن رئاسة أوباما باتت بعد صدمة اليوم التي جاءت بمثابة إدانة لها؛ أقرب إلى الطائر مكسور الجناح.

ربما السياسة الخارجية تبقى الأقل تأثراً بالتغيير الذي حصل. فالرئيس يتمتع بمساحة واسعة لممارستها بعيداً عن مشاركة الكونغرس بخياراتها، إلا من ناحية التشاور معه في القضايا المهمة. فليس من المتوقع حصول تغيير على توجهات الرئيس، ولو أن صقور الكونغرس تعترض على الكثير من سياسات الرئيس في الشرق الأوسط وأوكرانيا بخاصة.