تشبه تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو ووزير خارجيته أفيغدور ليبرمان حول الآفاق المستقبلية للتسوية مع الجانب الفلسطيني، «بوالين» الاختبار التي تمهد للإفصاح عن موقف سياسي جديد لم يعد يخفي نفسه، وهو إعادة النظر بأساس عملية السلام التي انطلقت في مدريد عام 1991 ومبدأ الأرض مقابل السلام وحل الدولتين.

والداعي لهذه التحول في الخطاب الإسرائيلي، وصول اللغة الاتهامية التي كان المسؤولون يوجهونها للسلطة الفلسطينية بأنها مسؤولة عن عرقلة جهود السلام، إلى نقطة اللاجدوى، فمثل هذه الاتهامات لم تعد تقنع أحداً، بل أظهرت عزلة الموقف الإسرائيلي خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتفاف العالم حول الحق الفلسطيني في إقامة دولته على كامل ترابه الوطني.

نسف فكرة الدولة

فتصريحات نتانياهو، بضرورة إعادة النظر في مفهوم السيادة في الدولة الفلسطينية وبقاء القوات العسكرية والأمنية فيها، تعني نسف فكرة الدولة واستبدالها بالمعازل والتخلي عن مبدأ حل الدولتين واستبداله بحكم ذاتي باهت تحت السيادة الإسرائيلية.

ومثل هذه التصريحات، كما يؤكد السياسي الفلسطيني مصطفى البرغوثي، ما هي إلاّ مجرد خداع وتضليل يهدف في الواقع إلى ضم معظم أراضي الضفة الغربية والاستمرار في السياسات الاستيطانية، وإبقاء السيطرة العسكرية على مناطق السلطة الفلسطينية وتحويلها إلى مجرد وكيل أمني للاحتلال.

حق يراد به باطل

وتأتي تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان الداعية إلى ضرورة ربط الحل الفلسطيني بحل شامل مع جميع الدول العربية، لتلقي مزيداً من الشكوك حول جدية هذه الحكومة في تعاملها مع ملف التسوية وعملية السلام.

فدعوة الحق هذه التي يراد بها باطل، تستعيد خطاباً عربياً دعا في التسعينيات إلى ربط مسارات التسوية مع بعضها البعض، ضمن حل شامل على جميع الجبهات، ولكنه ووجه بحرب شعواء من جميع الحكومات الإسرائيلية، اليمينية منها واليسارية، عبر إصرارها على فصل مسارات التسوية العربية، بهدف الاستفراد بالفلسطينيين.

حقيقة الموقف

وإذا تمعنا في هذا التصريح، فسنجد أنه لا يمثل حقيقة الموقف الإسرائيلي من عملية السلام، بقدر ما يهدف إلى ربط مصير المفاوضات بالأوضاع القلقة التي تعيشها سوريا، بعد أن بات السلام فيها بعيداً نتيجة تمدد تنظيم داعش وخراب غالبية مدنها وأريافها.

مشكلة عملية السلام ليست في تعريفها ولا في موقف السلطة الفلسطينية من الجماعات المسلحة، بل في إسرائيل نفسها، التي تقوم «بإعاقة المفاوضات ووضع العراقيل أمامها»، كما يقول السياسي الفلسطيني نمر حماد، مستشار الرئيس الفلسطيني للشؤون السياسية.

إضعاف القضية

ولا شك في أن حالة الانقسام السياسي والعسكري التي عاشتها الأراضي الفلسطينية طوال عقد من الزمان، ساهمت في إضعاف القضية في المجتمع الدولي.

 ولكن، ومنذ أن قررت السلطة الفلسطينية التوجه إلى المؤسسات الدولية والمنظمات الأممية للاعتراف بالدولة المستقلة، بدأت القضية تكسب النقاط لصالحها، فوسائل النضال لا تقف عند حد أو عند نهج معين، وهذا ما جعل نتانياهو وليبرمان، يطلقان مثل هذه التصريحات التي تهدف إلى ذر الرماد في العين، وإدخال القضية الفلسطينية في دوامة جديدة، ولكن ذلك لن ينجح هذه المرة، بسبب انفضاح الاستراتيجية الإسرائيلية البائسة القائمة على العرقلة وزرع الألغام في طريق السلام.

عادة

اعتادت حكومات الاحتلال الإسرائيلي على اللجوء إلى التصعيد العسكري أمام أي تقدم للقضية الفلسطينية، سواء كان هذا التقدم داخلياً أم خارجياً، وعدوان غزة الأخير أتى في ظرف إنهاء الانقسام الفلسطيني – الفلسطيني. البيان