تعيش واشنطن الآن حالة من الذهول غير المسبوق. المعلومات التي تكشفت في اليومين الأخيرين عن مدى الانكشاف في أمن البيت الأبيض وساكنه، كان لها وقع الصدمة المخيفة.
مسلسل من الهفوات والتقصير والاختراقات، بدا معه الحرس الرئاسي وكأنه صار مؤسسة نخرها سوس الترهل والتسيّب. كان يعتبر صفوة الأجهزة الأمنية الأميركية، وإذ به شبه غائب وفي لحظات كان يمكن ان تؤدي إلى وقوع المحظور الكبير. ليس مرة، بل مرات.
الحادثة الأخيرة الأخطر، سلطت الأضواء على سابقاتها التي تكررت بصورة أو بأخرى منذ عام 2009.
المفتاح كان في عملية الاختراق الكبير التي وقعت قبل أكثر من أسبوع حيث ان أحد المجندين السابقين قفز من فوق السياج الحديدي وقطع الحديقة راكضاً نحو الباب الرئيسي ودخل البيت الأبيض كانه زائر. بلا ترحيب لكن بلا اعتراض. لا حرس في الخارج ولا في الداخل، كما يفترض أن يكون. ولا رنّ جرس انذار.
حاولت شرطية منعه أفلت منها ودلف إلى البهو ومنه إلى الصالة الشرقية وكاد أن يدخل الصالة المجاورة، قبل أن يهرع الحرس ويلقي القبض عليه.
كان بحوزته سكين. في تلك اللحظة كان الرئيس اوباما قد غادر المكان مع عائلته قبل دقائق إلى كامب دافيد لقضاء عطلة نهاية الأسبوع. فضيحة أمنية موصوفة، لم يسبق ان عرف البيت الأبيض مثلها.
عمل فردي
الأخطر ان الحرس الرئاسي حاول لفلفتها وتبهيتها في بيانه الأول حوله، وضعها في إطار عمل فردي مغامر لإنسان مختل، جرى توقيفه في الحديقة بعد أن قفز فوق سياجها. وانتهت القصة. في هذه الحدود يبقى الخرق عملية غير مقلقة ولو غير مقبولة.
لكن بعد عدة أيام تسرّبت الرواية بالكامل. كانت كالهزّة. كل التواجد الأمني والكاميرات واجهزة التنبيه الالكتروني والكلاب البوليسية والعيون الساهرة، تغلّب عليها عابث ليدخل إلى أهم مبنى يتمتع بأعلى درجة حراسة في أميركا. ما تبيّن أن العيون الساهرة كانت غافلة.
والأدهى أن غفلتها ليست بنت ساعتها، في ضوء ما تكشفت عنه الخبايا. لها سوابق وجرى التكتم عليها.
قبل ثلاثة أيام من هذه الحادثة كان الرئيس في زيارة لمركز طبي في مدينة اتلانتا. لدى وصوله رافقه في المصعد إلى الطابق العلوي عدد من حراسه ومعهم رجل يعمل في شركة أمن خاص تتعامل مع البيت الأبيض في مثل هذه المناسبة. تبين بعد مغادرة المصعد أن هذا الأخير كان بحوزته مسدس ولم يجر تفتيشه حسب الأصول، قبل مرافقة الرئيس. بدل أن يصار إلى فتح تحقيق بالأمر، جرى الاكتفاء باستبيان أسباب الغفلة. مع أن في الأمر مخالفة صريحة لنظام الحرس.
إطلاق نار
في عام 2011 حصلت حادثة أخطر. جرى إطلاق نار على مقربة من البيت الأبيض. أصيبت إحدى نوافذه برصاصة. غفل الحرس عنها، لتكتشفها عاملة في البيت الأبيض بعد اربعة أيام. في العام التالي كان الرئيس في زيارة إلى كولومبيا. لدى وصوله اكتشفوا أن عدداً من فريق الحرس الذي سبقه للإشراف على الاحتياطات الأمنية المسبقة، كان في حالة مخمورة.
وسبق ذلك أو لحق به عدة اختراقات ولو سلمية. في عشاء رسمي في البيت الأبيص عام 2009 تسلل اثنان بين المدعوين ودخلا قاعة الطعام، قبل أن يكتشف أمرهما. عدا عن ذلك حصل خلال السنوات الخمس الماضية، اكثر من 15 محاولة قفز من فوق سياج حديقة البيت الأبيض.
الخشية لدى المسؤولين في الإدارة والكونغرس – عقدت إحدى لجان مجلس النواب جلسة غاضبة للتحقيق في الحادثة – أن هذه الهفوات الخطيرة تعكس حالة انحطاط في ثقافة الجهاز ومعنوياته. وهذا ينذر بعواقب خطيرة من العيار غير الاعتيادي. من الأسئلة: ماذا لو كان بحوزة من دخل البيت الأبيض سلاح؟ وماذا لو كان الرئيس في البيت الأبيض؟ احتمالات تستحضر غفلات أمنية في تاريخ أميركا، كانت عواقبها وخيمة.
مسؤولية الثغرات
أعلنت جوليا بيرسون رئيسة الجهاز السري المسؤول عن حماية الرئيس الاميركي باراك اوباما ان الجهاز يتحمل مسؤولية الثغرات الامنية في البيت الابيض، وقالت ان «تسلل شخص يحمل سكينا الى البيت الابيض غير مقبول ولن يتكرر». وقالت بيرسون، التي تولت منصبها في مارس 2013 بعد العمل لعقود كمسؤولة أمنية، انه تم فتح تحقيق دقيق في كيفية تمكن جندي اميركي سابق يحمل سكينا من القفز فوق السياج ودخول البيت الأبيض.
وأكدت أن الجهاز السري واجه «نصيبه من التحديات» في السنوات الأخيرة، في اشارة الى سلسلة الفضائح الأمنية التي سلطت الضوء على هذا الجهاز.