لا يخفى على أحد مشاعر الازدراء التي يكنها الكتالونيون تجاه مدريد.

كما لا يخفى كذلك الكره العميق الذي يعتري صدور الباسكيين حيال الحكومة المركزية في إسبانيا، وهم الذين خاضوا معها نزاعاً أهلياً هو الأطول، مع الصراع الايرلندي، في القارة العجوز.

ومع اقتراب موعد استفتاء استقلال إقليم كتالونيا بعد شهرين من اليوم، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى أي مدى ستبقى الحدود الأوروبية الحالية متماسكة؟ والحال، أن أنظمة الحكم الديمقراطية التي سمحت بتسيد مشاعر الوحدة الوطنية وأعطت استقلالاً معتبراً للأقاليم الفرعية، كانت تؤجل بسياساتها تلك المصير المحتوم لا أكثر.

وهذا المصير يتمثل في أنه مهما اتبعت الدول الأوروبية نموذج الاندماج الوطني، فإن النوازع العرقية لا بد أن تطغى في نهاية المطاف مهما حاول المركز كتمانها وخنقها عبر الوعود بالمزيد من الحكم الذاتي.

ففي إسبانيا وبريطانيا، تعتبر نماذج كتالونيا والباسك واسكتلندا وويلز الأكثر وضوحاً لجهة درجة الاستقلال التي يمكن لإقليم ما أن يحصل عليها.

وفي بريطانيا نفسها، تتمتع اسكتلندا وويلز بحرية فائقة إلى حد أن لهما فرقاً تشارك في البطولات الرياضية تحت علمهما الخاص بعيداً عن المملكة المتحدة.

ولكن ذلك كله لم يمنع الاسكتلنديين من الحشد من أجل الاستقلال على الرغم من الحملات الدولية التي حاولت ابتزازهم سياسياً واقتصادياً لثنيهم عن الانفصال عن لندن.

والثابت، أن مؤسسة الاتحاد الأوروبي باتت تعاني ترهلاً كبيراً بسبب التوسعة غير المنطقية في عضويتها، حتى أضحى التكتل أشبه بمنظمة إقليمية فضفاضة لا اتحاداً حقيقياً كما أراد الآباء المؤسسون له أن يكون.

والخلطة السحرية التي يمكن من خلالها للاتحاد الاستمرار تكمن في قبول أعضاء جدد ينبثقون من رحم الأعضاء الحاليين لا استقبال آخرين من خارجه.

فدولة كتالونيا المستقبلية ستنعم باقتصادٍ قوي يؤهلها للتحول إلى سنغافورة أوروبية، فيما سيعني تقلص مساحة إسبانيا قدرة أكبر من مدريد على إدارة شؤون البلاد والتحكم في مواردها وتقليص ديونها التي تعود نسبتها الأكبر إلى حقيقة الاعتماد المتزايد على برشلونة.

والأمر نفسه ينطبق على الباسك، الذي لا يذكر المراقبون الفائدة الجوهرية من بقائه داخل الحدود الراهنة، وهو على خصام تاريخي حاد مع المركز.

وتطل أقاليم كثيرة حول أوروبا برأسها مطالبةً بالانفصال، مثل كورسيكا في فرنسا وفلاندر في بلجيكا، والذي تنتشر فيه المشاعر الغاضبة من الوحدة غير الفعالة مع إقليم والونيا ضمن الاتحاد البلجيكي الذي عجز لأكثر من عام على الاتفاق على حكومة جامعة وتتشتت ثرواته بين الإقليمين بدلاً من أن تتركز على مساحة أصغر فتصبح أكثر تأثيراً.

أما في أوكرانيا، فإن ذهاب الشرق نحو دولته أو اندماجه مع روسيا، سيعني تالياً أن بإمكان ما سيتبقى من أوكرانيا (أي الغرب) الاندماج مع بولندا، كما كان الأمر في السابق، أو الانضمام إلى الكتلة الأوروبية.

 إن توقيع اتفاقية الشراكة بين كييف وبروكسل هي خطوة مهمة نحو التخلي عن الشرق والمستقبل الأوروبي الذي يفترض بالأوكرانيين المضي نحوه منذ استقلال دولتهم قبل 23 عاماً.