عندما كثّفت الولايات المتحدة الأميركية تدخّلاتها العسكرية في غير مكان في العالم خلال التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة، لم يكن ذلك سببه فقط تصاعد قوة نفوذ المحافظين الجدد وتيار المسيحية الصهيونية في مطبخ القرار الأميركي وأروقة تجمّع احتكارات السلاح.

فرغم صحّة إيراد هذا السبب، إلا أن هناك أسباباً أخرى لا تقل وجاهة، أهمها وفي مقدّمتها دخول الدب الروسي في بيات الفصول الأربعة، إثر انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، لأن ذلك القطب لم يكن مجرد نقيض فكري وسياسي واقتصادي، إنما كان ندّاً عسكرياً وأمنياً ضمن توازن الرعب الدولي.

الولايات المتحدة كانت تدرك أن بيات الدب الروسي في مرحلة ما بعد الانهيار، فترة حكم بوريس يلتسين، لن يستمر إلى الأبد وأن تململه وانتفاضه لم يكونا سوى مسألة وقت، لأن العالم لا يستطيع أن يقف على ساق واحدة. كان من الضروري، تبعاً لهذه القناعة، استغلال مرحلة البيات وامتصاص فوائدها حتى آخر قطرة.

من هنا كانت غرفة العمليات الأميركية تعمل ليلاً ونهاراً لتحقيق الحد الأقصى من المكتسبات وفرض الوقائع على الأرض حتى إذا حانت اللحظة الحتمية، يستأنف الصراع من مواقع تكون ملائمة لأميركا سواء من حيث القوة الاقتصادية أو من خلال الاستقطابات والتحالفات.

عودة التوجّس

على هذه الخلفية المختصرة كثيراً، عاد التوجّس سيد الموقف بعد رحيل يلتسين وصعود فلاديمير بوتين إلى كرسي الكرملين. وقد ساعد النمو السريع للاقتصاد الروسي بوتين في تدشين عهد جديد من الندية واستعادة نظام العالم المتعدد الأقطاب.

وكان العنوان الأبرز، وما يزال، للصراع القطبي هذا هو منظومة الدرع الصاروخية التي هي بالأساس خطة أميركية قديمة تعود إلى العام 1969 حيث اقترحها الرئيس ريتشارد نيكسون.

في العام 2007 كان الحديث الأميركي يدور حول نشر الدرع الصاروخية في جمهورية التشيك وبولندا.

الأزمة الأوكرانية

كان من الواضح منذ بدء الاحتجاجات في أوكرانيا أن القضية ليست داخلية إنما هي تجسيد وامتداد للصراع المتجدد بين روسيا والغرب بقيادة أميركا التي رأت من الأنسب لها في ظل الحاجة المتبادلة للحفاظ على علاقة ما مع روسيا، أن تضع أوروباً رأس حربة في خوض الصراع مع روسيا على الساحة الأوكرانية.

لا سيما أن الأوروبيين يتحدّثون ويناقشون ويهدّدون تحت سقف العقوبات الاقتصادية، ولا شيء آخر، بل حتى موضوع العقوبات يجري تداوله أوروبياً على ألسنة متردّدة وعلى شكل قرارات مجمّدة التنفيذ.

ويصاحب كل ذلك هواجس بعض الدول الأوروبية ذات المصالح الاقتصادية مع روسيا التي كانت تعرف مسبقاً سقف الردود الغربية قبل أن تضم شبه جزيرة القرم من بدء الأزمة الأوكرانية التي ما زالت مشتعلة انطلاقاً من المناطق الشرقية التي تمثّل العمود الفقري استراتيجياً بالنسبة لأوكرانيا.

صحف روسية تتساءل

وبين مطالبة موسكو بوضع خاص للمنطقة التي يسكنها عدد كبير من الروس أو الناطقين بالروسية، والاتهامات الغربية لها بالتدخّل عسكرياً عبر دعم الانفصاليين هناك، يبقى الموضوع برمّته لعبة شد حبال تتداخل فيها مصالح وصراعات في أماكن أخرى من العالم.

يمكن فهم التوجّهات الروسية من مطالعة بعض وسائل الإعلام هناك. فصحيفة «كومسومولسكايا برافدا» تتساءل عن الطرف الذي يدفع موسكو للحرب، وتشير إلى أن الرئيس الأوكراني يشجع الغرب ويعوّل على المساعدة العسكرية في مواجهة روسيا.

الرد والعجز

بدورها رأت صحيفة «كوميرسنت» أن «باراشينكو العاجز يشجّع الغرب على مساعدة بلاده..

ويعوّل على المساعدة العسكرية المباشرة من الغرب، لكنها رأت أن «الرد الغربي سيقتصر على فرض عقوبات جديدة على روسيا.. وأن كل ما يستطيع الغرب تأمينه لكييف هو السلاح من دون التدخل العسكري.

إذا جاز تسمية الصراع في الأزمة الأوكرانية بـ «عض الأصابع» سواء على مستوى روسيا والغرب، أو على مستوى الطرفين المتصارعين في أوكرانيا، فإن الأشهر المقبلة ستأتي لنا بمن سيصرخ أولاً. فهنا يتجلّى صراع على النفوذ والمصالح الاقتصادية خصوصاً بالنسبة للغرب، وتضاف لها الاعتبارات الاستراتيجية بالنسبة لروسيا التي لا يمكنها القبول بوضع يرى فيه «الناتو» بالعين المجردة من نوافذ الكرملين.

هشاشة وقف النار

مطالبة رئيس الوزراء الأوكراني أرسيني ياتسينيوك القوات الحكومية بالبقاء في حالة استعداد كامل لمعركة بالرغم من اتفاق لوقف إطلاق النار مع الانفصاليين المدعومين من روسيا، تؤكد هشاشة الحلول السياسية التي يجري تداولها أو التوصل لها.

فياتسينيوك قال في تصريحات تتفق مع الموقف المتشدد الذي يتخذه بشأن المفاوضات مع المتمردين الانفصاليين في شرق أوكرانيا إن «روسيا لن تمنحنا السلام وعليه فإنني أطلب من وزير الدفاع الاستعداد الكامل لخوض المعركة». كييف – رويترز