(جرافيك.. تداعيات استقلال إسكتلندا عن المملكة المتحدة)

 

بعد ما يقرب من ثلاثة قرون من الاتحاد مع بريطانيا وتكوين المملكة المتحدة، تستعد إسكتلندا لاجراء الاستفتاء العام لناخبيها الخميس المقبل بشأن مسألة الاستقلال. ويمثل هذا الاستفتاء نقطة تحول، فيما بات يمثل يوم مصير بريطانيا إما يقويها أو يفككها.

وتشير حملات المعركة الدائرة إلى أن نتائج الاستفتاء يُتوقع أن تكون متقاربة جدا لدرجة يصعب معها التنبؤ بالطرف الفائز، قبل أسبوع فقط من إجرائه.

ويعتقد البعض بأنه إذا ما قرر الاسكتلنديون التصويت لصالح استقلال إسكتلندا عن المملكة المتحدة فسيعني ذلك استقلال اسكتلندا مباشرة عن المملكة المتحدة. وبطبيعة الحال هذا الاعتقاد خاطئ. فحتى لو صوت الاسكتلنديون بنعم لصالح الاستقلال فتلك الخطوة لن تتحقق دون تشريع من البرلمان البريطاني يجيز ذلك الاستقلال وقد يحتاج الأمر لسنوات طويلة وكثير من القرارات والجلسات القانونية لفصام الوليد الجديد.

ولو عدنا قليلا بالذاكرة للوراء واستحضرنا تجربة الانفصال التي شهدتها تشيكوسلوفاكيا والتي انتهت بانقسامها إلى جمهوريتين التشيك وسلوفاكيا لوجدنا أن ذلك الانفصال تكلف مليارات الدولارات وآلاف الساعات في أروقة المحاكم لإيجاد حلول قانونية في اقتسام ما كان يوما ما ثروات وطن واحد.

المحافظون والعمال

ويؤكد محللون أن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون غامر بمستقبله السياسي عندما قبل بتحديد تاريخ للاستفتاء عندما راهن على أن الاسكتلنديين سيختارون البقاء في المملكة المتحدة على مغادرتها، إذا ما خسر كاميرون الرهان وصوت الاسكتلنديون لصالح الاستقلال فسيذكر التاريخ كاميرون على أنه رئيس الوزراء البريطاني الذي تسبب في انفصال جزء مهم من البلاد. وعلى الأرجح أن يضطر كاميرون لتقديم استقالته رغم تأكيداته على أنه لن يتجه للاستقالة حال صوت الاسكتلنديون لصالح الاستقلال. كما أن الشعب البريطاني لن يغفر لكاميرون تلك السقطة وسيعاقبه في الانتخابات المقبلة المقررة في العام 2015. وبالتالي لن يكون أمامه سوى الأمل في أن لا يخيب الاسكتلنديون توقعاته ويصوتوا بـ«لا» للاستقلال.

كما أن التصويت بنعم لصالح الاستقلال سيجعل أيضا من الصعب على حزب العمال البريطاني المعارض الفوز بالأغلبية في الانتخابات المقبلة والتي ستحتاج بالتأكيد إلى تأجيلها إلى ما بعد الاستقلال في عام 2016.

وتتزايد أصوات «نعم» الداعمة لاستقلال إسكتلندا تتزايد في كل مرة يضع فيها زعيم حزب العمال البريطاني المعارض إيد ميليباند قدمه في إسكتلندا فقد فشل حزبه تماما في إقناع المؤيدين للاستقلال بدعم وحدة المملكة المتحدة وبالتالي قد تطوله المطالبات بالاستقلال.

تساؤلات

ويبدو أن المناقشات بشأن انفصال أسكتلندا عن المملكة المتحدة لم تخرج عن تساؤل يدور في فلك واحد وهو: «ما الذي سيحققه هذا الانفصال لإسكتلند؟» ولكن فليطرح السؤال من زاوية مختلفة: ما الذي سيعنيه هذا الانفصال لباقي المملكة المتحدة إيرلندا الشمالية وويلز وإنجلترا؟

ومهما تكن نتائج الاستفتاء المرتقبة فمن المرجح أن تقبل المملكة المتحدة على تغيرات جذرية لم تعهدها. التغييرات ستطال قواتها المسلحة وجيشها وترسانة ردعها النووي وحتى ثقل المملكة المتحدة في المحافل الدولية وصولا بألوان العلم البريطاني وكذلك المشهد السياسي في بريطانيا برمته من المرجح أن تطالها تداعيات استقلال اسكتلندا عن المملكة المتحدة.

والسؤال الأهم إن كانت اليزابيث الثانية ملكة بريطانيا ستبقى ملكة على إسكتلندا إذا ما حصل الانفصال. الكثير من الأسئلة المشروعة تناوبت وسائل الإعلام البريطانية على طرحها خلال الأسابيع القليلة الماضية ربما في محاولة منها لتحذير البريطانيين من مغبة هذا الاستقلال.

الترسانة النووية

ويؤكد محللون أن التصويت بشأن استقلال اسكتلندا عن بريطانيا يضع البرنامج النووي لـبريطانيا على المحك، خاصة أن قاعدة «فاسلين» في المياه العميقة في اسكتلندا التي تحوي الغواصات النووية البريطانية وإذا ما صوتت اسكتلندا بـ«نعم» في 18 من سبتمبر الجاري فيمكن لتلك الغواصات النووية أن تصبح دون ميناء وخاصة أن زعيم الحزب الوطني الاسكتلندي اليكس سالموند أكد مرارا في خطابته النارية المحفزة للاسكتلنديين على الاستقلال بأن أول ما ستفعله الحكومة الاسكتلندية عند إعلان استقلال إسكتلندا هو أنها ستطلب من الغواصات النووية البريطانية المدمرة أن تغادر الأراضي الاسكتلندية، مؤكدا أن اسكتلندا ستكون منطقة خالية من الأسلحة النووية في غضون أربعة أعوام من الاستقلال عن بريطانيا العظمى.

وإذا ما أخذنا في الاعتبار بأن الحكومة البريطانية لم تضع أي سيناريوهات لإيواء بديل لغواصاتها النووية المتمركزة حاليا في اسكتلندا حال حدث الاستقلال سيكلف مليارات الدولارات التي لن تستطيع الحكومة البريطانية توفيرها وفقا للخبراء فليس مستبعدا بأن تفقد بريطانيا ثقلها كقوة نووية حال عجزت عن استيعاب ترسانتها النووية على أراضيها وربما قد تتخلى عنها.

قلق أوروبي- أميركي

كما أن هناك قلقا متزايدا من قبل حلفاء بريطانيا وعلى رأسهم الولايات المتحدة والجيران الأوروبيين بشأن مستقبل الترسانة النووية البريطانية وخاصة في ظل التهديدات التي تواجه حدود أوروبا عبر أوكرانيا وتنامي الطموحات الروسية ذلك القلق الذي لم يحاول جورج روبرتسون الأمين العام السابق لحلف «الناتو» إخفاءه خلال الخطاب الذي ألقاه في واشنطن والذي وصف فيه «التصويت لصالح استقلال اسكتلندا بالكارثي للأمن في الغرب، وبأن إخراج الغواصات النووية من اسكتلندا سيكون بمثابة نزع ما تبقى من أسلحة المملكة المتحدة».

القوات المسلحة

والقلق لا ينحصر فقط بمصير الترسانة النووية البريطانية المستقرة في إسكتلندا بل يمتد إلى مصير القوات المسلحة البريطانية والتي تتخذ من اسكتلندا مقرا لها. فبينما يصر اللواء الوطني الاسكتلندي على أن عدة أفواج عسكرية اسكتلندية موجودة حاليا ستخدم الحكومة الاسكتلندية وتصبح من مسؤولية دافعي الضرائب الاسكتلنديين إلا انه وفي ورقة للحكومة البريطانية العام الماضي قالت فيها بان «دولة اسكتلندية مستقلة لا يمكن ببساطة استمالة الوحدات القائمة فيها في المقام الأول والتي يتم تجنيدها أو مقرها في اسكتلندا، فهي جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة البريطانية».

ومن المفترض بأن الجنود الاسكتلنديين الذين مقرهم إنجلترا سيسعون للبقاء في جيش إنجلترا الجديدة، فيما سيتم تقسيم الأسلحة بين البلدين عبر التفاوض.

مجلس الأمن

وبالتحول إلى مسألة ثقل المملكة المتحدة في المحافل الدولية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وحتى في المؤسسات المالية الكبرى كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرها من المؤسسات الدولية الكبرى، يتوقع أن تسارع قوى اقتصادية جديدة في العالم مثل الصين والهند إلى المطالبة بتمثيل وحصص أكبر لها في المحافل الدولية وأن تتجه لانتزاع مكانة بريطانيا في مجلس الأمن الدولي باعتبار أن «بريطانيا العظمى» قد تتحول إلى «بريطانيا الصغير» إذا ما استقلت إسكتلندا عنها، وبأنها قد تفقد ترسانتها النووية.

الجنيه البريطاني

وتفضل الحكومة الاسكتلندية بقيادة سالموند إبقاء التعامل بالجنيه الإسترليني، والاعتماد على البنك المركزي البريطاني مقرضا في أوقات الطوارئ وتهدد برفض دفع حصة اسكتلندا من الدين القومي إذا ما منعت من استخدام الجنيه الإسترليني، في وقت رفضت فيه الأحزاب الرئيسية الثلاثة في حكومة المملكة المتحدة أن يسمح لإسكتلندا بالاستمرار في استخدام بنك انجلترا والبنك المركزي حال جاءت نتائج الاستفتاء المرتقبة لصالح استقلال اسكتلندا.

وتبقى بدائل الاتفاق بين حكومة البريطانية والحكومة الاسكتلندية بشأن العمل محصور في خيارات محددة تتمثل في إما أن يكون للاسكتلنديين عملة منفصلة أو أن يبقوا على ارتباطهم بالجنيه الإسترليني أو الإبقاء على سعر صرف مرن أو استخدام الجنيه من جانب واحد أو الخيار الأخير وهو انضمام اسكتلندا لمنطقة اليورو وحتى إذا ما فكرت اسكتلندا في اللجوء لعباية الاتحاد الأوروبي كملاذ لها فإنه من غير المتوقع أن تحظى بنفس شروط العضوية التي تحظى بها بريطانيا مما ينذر بخسارة اسكتلندا لتمويلات أوروبية تقدر بمليارات الدولارات.

تحديات وتأشيرات

ويرى عدد من المتتبعين أنه إذا ما انضمت اسكتلندا الى الاتحاد الاوروبي وهي أحد الاحتمالات الواردة لمرحلة ما بعد الاستقلال إذا ما تحقق، فستضطر للانضمام إلى اتفاقية التأشيرات الأوروبية الموحدة «شنغن» في أوروبا، والتي تلغي بشكل فعال الحدود الداخلية.

وهذا يعني أن أي شخص يحمل تأشيرة «شينغن» بإمكانه أن يسافر إلى اسكتلندا من دون عوائق وهذا أمر يثير الكثير من القلق لدى بعض الجهات على اعتبار أن الآلاف من المهاجرين ولأسباب اقتصادية التي تحشد في شمال فرنسا يمكنها أن تنتقل ببساطة عن طريق العبارة إلى اسكتلندا، ثم تنزلق عبر الحدود الى انجلترا.

الحدود النفطية

وطبقا للقانون الدولي، فإن الحدود البحرية تتبع الحدود البرية. والحدود بين اسكتلندا وانجلترا تمتد قطريا من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي، والحدود الغربية تمتد إلى الجنوب الغربي إلى سلواي فيرث والشمالية إلى بيرويك في الشمال الشرقي إلي بحر الشمال. وهذا يعني بأن بعض النفط ينظر إليه الاسكتلنديين على أنه نفطهم وبالتالي فهم يتصورون الحدود على طول خط أفقي من العرض ـ هو في الواقع إنجليزي.

والكثير من النفط «الاسكتلندي» موجود في المياه المحيطة حول شيتلاند، في حين أنه أبعد عن اليقين عن أن من سيصوتون في الاستفتاء الأسبوع المقبل سوف يرغبون في البقاء جزءا من اسكتلندا المستقلة. أما بالنسبة للجدوى الاقتصادية للنفط، ادعت صناعة النفط الاسكتلندية الأسبوع الماضي بأن تيريليون جنيه إسترليني من احتياطات النفط والغاز قد تكون في المياه الاسكتلندية وهي تكفي لنحو 100 عام.

كما ذكر مكتب المملكة المتحدة المسؤول عن الميزانية أن الإيرادات النفطية انخفضت بشكل حاد في الأعوام الأخيرة، سوف تكون بـ2.9 مليار جنيه إسترليني في 2016 و2017.

حشد للتصويت

توجه زعماء الأحزاب البريطانية أمس إلى اسكتلندا في مسعى لإقناع الاسكتلنديين بالتصويت بلا في الاستفتاء على الاستقلال عن بريطانيا.

ولم يشارك رئيس الوزراء ديفيد كاميرون وزعيم حزب العمال إيد ميليباند الجلسة الاسبوعية لمساءلة الحكومة التي تجرى في مجلس العموم كل اربعاء للسفر إلى اسكتلندا.

وأعلن الزعماء عن جولتهم في اسكتلندا للدفع من أجل التصويت ضد الانفصال بعد أن ظهر زعماء أحزاب العمال الاسكتلندي والمحافظين الاسكتلنديين والديمقراطيين الأحرار الاسكتلنديين معا من أجل التصديق على جدول زمني لتنفيذ المزيد من الصلاحيات المالية وغيرها لاسكتلندا.

في المقابل، قال الوزير الأول في اسكتلندا اليكس سالموند إن الزعماء الثلاثة هم قادة ويستمنستر (الأحزاب البريطانية) الذين يحظون بأقل قدر من الثقة على الإطلاق. واعتبر أن هذه الزيارة ستعزز من التصويت مع التأييد. ودعا سالموند رئيس الوزراء إلى الدخول في مناظرة مباشرة معه قبيل التصويت على استفتاء استقلال اسكتلندا المقرر في 18 من سبتمبر الجاري.

كاميرون يحذر: إنها الفرصة الأخيرة

 

ناشد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الاسكتلنديين أمس ألا يختاروا الاستقلال ويقطعوا أوصال «أسرة» المملكة المتحدة في مسعى لوقف تنامي المعسكر المؤيد لاستقلال اسكتلندا عن بريطانيا قبل الاستفتاء الذي يجري في 18 سبتمبر الجاري، فيما أشار قصر بكنغهام أن الملكة اليزابيث الثانية لن تشارك في الجدال حول الاستفتاء.

وقال كاميرون في مقال رأي نشر في صحيفة «ديلي ميل»: «لا نريد أن تتقطع أوصال أسرة هذه الأمم. المملكة المتحدة دولة غالية وخاصة»، وضمن كاميرون عباراته العاطفية بتحذير مستتر قائلاً :«إذا انقسمت المملكة المتحدة فستظل منقسمة إلى الأبد».

وأردف: «ليس هناك فرص أخرى». وكتب كاميرون «المملكة المتحدة بلد عزيز ومتميز. هذا هو الرهان. لذلك لن نترك أي شكوك لدى الاسكتلنديين: إننا نريد بقوة أن تبقوا، لا نريد أن تتمزق عائلة الأمم هذه».

وأضاف إنه «مع التصويت بلا سيبقى الاسكتلنديون في الاتحاد، لكن مع صلاحيات معززة لبرلمان ادنبره في ما يتعلق بالقروض والضرائب والنفقات». والحزب المحافظ بزعامة كاميرون لا يحظى بشعبية كبيرة في اسكتلندا مع مقعد واحد من أصل 59 في برلمان ادنبره، لذلك اعتمد كاميرون موقفا حذرا أثناء الحملة إلى أن أشار استطلاع للرأي إلى حصول الفريق المؤيد للاستقلال على أعلى نسبة من نوايا التصويت.

استقالة

وأشارت بعض وسائل الإعلام إلى أن رئيس الحكومة قد يضطر للاستقالة أمام ضغط المنتقدين لحزبه إن فشل في منع اسكتلندا من الانفصال عن الاتحاد. ولن تشارك الملكة اليزابيث الثانية في الجدال حول الاستفتاء كما أعلن قصر بكنغهام أمس. وهذا التوضيح يأتي في وقت أوردت فيه بعض وسائل الإعلام أن الملكة قلقة من احتمال تفتت المملكة المتحدة وأن كاميرون قد يطلب من العائلة المالكة التدخل.

لكن ناطقا باسم قصر بكنغهام لفت إلى أن «الحيادية الدستورية للملكية مبدأ راسخ في ديمقراطيتنا، والملكة أظهرت ذلك طوال حكمها. وبموجب هذا المبدأ فإن الملك هو فوق السياسة ومن واجب المسؤولين في الحكومة العمل من أجل أن تبقى الحال على ما هي عليه ».