في حوارٍ هو الأول من نوعه مع وسيلة إعلامية عربية، وصف رئيس إقليم كتالونيا في إسبانيا أرتور ماس في حديثٍ مطول مع «البيان» مقارنة الاستفتاء الذي يعتزم الإقليم تنظيمه في 9 نوفمبر المقبل للاستقلال عن مدريد بالاستفتاء الذي نُظّم في شبه جزيرة القرم الأوكرانية من قبل روسيا بالأمر «المشين»، مؤكداً اختلاف الحالتين بشكلٍ تام، ومهاجماً الحكومة المركزية بالقول إن مساعي الانفصال ليست إلا رغبة من الكتالانيين بالقول للدولة الإسبانية: «طفح الكيل!».
كما شدد على السعي إلى تطوير مشروعٍ خاص بكتالونيا بطريقة ديمقراطية وسلمية من دون حرب أو عداء، كاشفاً النقاب عن إمكانية بقاء نادي برشلونة لكرة القدم ضمن الدوري الإسباني في حال الاستقلال. وتالياً نص الحوار:
لماذا تعتقدون أن إقليم كتالونيا وصل مرحلةً بات معها من المستحيل أن يبقى متحداً مع مدريد سياسياً واقتصادياً؟
خلال العقود الثلاثة الماضية، فعلت كتالونيا كل ما بوسعها لمساعدة الدولة الإسبانية على أن تصبح عصرية، منتجة، ديمقراطية، وأوروبية بمستوىً جيدٍ من الرفاه الاجتماعي والاقتصادي. إن أغلبية القوى السياسية الكتالونية عملت على هذا المشروع معتقدةً أن هذه الدولة التي كنا نبنيها سوف تصبح لاحقاً ودودةً ومحترمةً لرغبات الشعب الكتالوني، لكن هذا لم يحصل.
لم تفشل كتالونيا على الإطلاق في قضايا المصالح العامة مع الدولة الإسبانية، ونالت في المقابل موقفاً عدائياً في لحظاتٍ فارقة لنمونا، خاصةً منذ الحكم بخصوص الإدارة الذاتية لكتالونيا في 2006.
فقد اتضح من خلال ذلك أن بقاء كتالونيا ضمن الدولة الإسبانية لم يعد ممكناً بالشروط التي سعت الوطنية الكتالونية إلى تحقيقها تاريخياً وهي: مشروعنا الجامع الخاص بنا. لقد حان الوقت الذي يقول فيه الكتالونيون: «لقد طفح الكيل!»، لأنهم باتوا على قناعة بأنه إذا أرادت كتالونيا المضي قدماً وأن تصبح بلداً أفضل للعيش فيه، فيجب اتخاذ اتجاه ومسار جديدين.
وفي الأعوام الأخيرة، شهدنا العديد من التظاهرات في الشوارع بنحو مليونين من الكتالانيين المطالبين بتمكينهم من تقرير مستقبلهم. وتمت المصادقة على هذا الرأي عبر انتخابات 2012 التي أظهرت أعلى نسبة مشاركة منذ 1980 وتمخص عنها تفويض واضح: المجتمع الكتالوني يريد أن يصبح قادراً على تقرير مستقبله.
واليوم، كل ما نطلبه هو أن يسمح لنا بتنظيم استفتاء بحيث يعبر جميع الكتالونيين عن رأيهم، أياً كان، بطريقة ديمقراطية، سلمية، وبروح التعايش المدني.
القرم وكوسوفو
هل تعتقدون أن خطوتكم نحو الانفصال أقرب إلى نموذج القرم أم أنه يشبه المثل الكوسوفي أكثر؟
أرفض عملية المقارنة التي تحصل ضمن سياقات ومجتمعات مختلفة، لأن لكل واحدٍ منها مساره وشخصيته الخاصين. ما أعرفه أن كتالونيا تتمنى تطوير مشروعها الخاص بطريقة ديمقراطية وسلمية وبروح مدنية ومقاربة إيجابية ومن دون حرب أو عداء. نريد إظهار أن كتالونيا بلد حوار وتوافق كما بينت من خلال تاريخها. نسعى، وسنظل نسعى، نحو تفاهم في هذا المجال، لكن من دون أن نفقد القناعة الثابتة بأن البلد يريد، ويجب، أن يقرر مصيره بنفسه.
رسالة روسية
في هذا الصدد، أليس صحيحاً أن انفصال كتالونيا سوف يشجع روسيا أكثر فأكثر على قوننة أفعالها في شبه جزيرة القرم الأوكرانية ويبعث برسالة خاطئة إلى موسكو أن بمقدورها قضم المزيد من شرق أوكرانيا؟
كلا على الإطلاق. أعتقد أنه من المشين مقارنة كتالونيا بالقرم، لأنه، وكما قلت، القضيتان مختلفتان. حقيقة أن روسيا تستخدم المقارنة بين المنطقتين تشكل جزءاً من السيناريو، لأنها تريد أن تسوق كل التبريرات للدفاع عما يحصل في تلك المنطقة.
أولاً، وعلى عكس كتالونيا، لم يكن هناك حكومة منتخبة ديمقراطياً لتنظيم استفتاء. وثانياً، لا يوجد في بلدنا إكراه، بل أظهرنا خلال العملية بأن حركتنا سلمية ومتحضرة وديمقراطية من جذورها، وتعبر أيضاً عن إرادة الأغلبية لدى شعب كتالونيا.
الشرق الأوسط
هل ترون بأن أفضل طريقة لحل مشاكل الشرق الأوسط، وهي منطقة تعج بالأعراق والطوائف، تكمن في تغيير شكل الخريطة عبر إعطاء كل عرقية أو طائفة الحق في تقرير مصيرها؟
كتالونيا بلد لا مكان فيه للعوامل العرقية أو الطائفية. فالحركة الوطنية الكتالونية مبنية على أساس الأمة الثقافية من دون عناصر عرقية. يجب الأخذ بعين الاعتبار أن 70 في المئة من الإسبان لهم أصول عائلية داخل كتالونيا. لذا، فإن بناء هوية كتالونية على أي أساس غير اندماج الجميع والرفاه المشترك، سيكون سخيفاً. وتاريخياً، جذبت كتالونيا العديد من الناس من خلفيات مختلفة.
ففي برشلونة، على سبيل المثال، نتكلم عدة لغات. لقد حققنا وضعاً باتت معه نقطة التقاء الجميع هي الثقافة واللغة الكتالانية، والتي أضحت نقطة التماسك المحورية للهوية الجمعية. وهذا المثال الكتالوني لبناء البلاد، على أساس الثقافة المشتركة وتكامل الجميع بغض النظر عن أصلهم ودينهم وعرقهم، يمكن أن يشكل لربما نموذجاً جيداً للتغلب على الصراعات في بلدان أخرى.
الشعبوية واليمين
ألا يعزى نمو النزعة الانفصالية في كتالونيا إلى ازدهار الأحزاب الشعبوية في أوروبا سواء تلك في أقصى اليمين أو التي تروج للانفصال، كما هي الحال في بلجيكا وسكوتلاندا؟
إن بزوغ مثل تلك الأحزاب ليس أمراً متشابهاً وليس شائعاً في كل بلدان الاتحاد الأوروبي. فهناك العديد من البلدان التي لا تملك فيها تلك الأحزاب جذوراً، كما هي الحال في كتالونيا، حيث لكل الأحزاب شخصية أوروبية وديمقراطية. منذ نشوئها، اعتبرت الحركة الوطنية السياسية الكتالانية على الدوام حركة وطنية وبعلاقات قوية مع أوروبا والتزام واضح لبناء الاتحاد الأوروبي.
واسكوتلاندا نفسها لا تحتوي أحزابا شعبوية أو متطرفة، فالحركة الوطنية الاسكوتلاندية تضم عناصر أوروبية قوية. وفي واقع الأمر، نعتقد أن أفضل طريقة لمحاربة أولئك المتطرفين والأحزاب المشككة بأوروبا تكمن في تقوية الاتحاد الأوروبي وعملية تكامله. ومن الجدير ملاحظته أن نسبة مشاركة الكتالانيين في الانتخابات الأوروبية 25 مايو الماضي كانت أعلى من المعدل الأوروبي، وهو الأمر الذي يظهر الاهتمام الكبير الذي يبديه الكتالانيون في بناء أوروبا.
نادي برشلونة
أخيراً، لنادي برشلونة الكروي ملايين المعجبين حول العالم وخاصةً في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي. في حال صوتت الأغلبية لصالح الاستقلال في استفتاء نوفمبر المقبل، فهل سيظل برشلونة يلعب في الدوري الإسباني بعد ذلك؟
نعم بالطبع. في حال أضحت كتالونيا دولة جديدة، يمكن لبرشلونة بسهولة أن يستمر في اللعب بالدوري الإسباني لكرة القدم. فمسابقات النادي تُنظم من قبل هيئات وطنية خاصة وأخرى دولية. وبالتالي، فإن مشاركتهم تعتمد على مصالح النادي نفسه.
لمحة
تبلغ مساحة إقليم كتالونيا 32.114 كيلومتراً مربعاً وعدد سكانه 7.5 ملايين نسمة وعاصمته برشلونة وهي ثاني أكبر المدن الإسبانية. ويتحدث سكانه اللغة الكتالانية إضافةً إلى الإسبانية، في حين يعتبر اقتصاده الأقوى في إسبانيا، حيث غذت الأزمة الاقتصادية في أوروبا وإسبانيا مشاعر الاستقلال.

