كأن الإرباكات والتحديات الخارجية من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا والصين لا تكفيه، ليجد الرئيس الأميركي باراك أوباما نفسه الآن، أمام أزمة جديدة مع أحد أقرب حلفاء واشنطن. انكشاف تجسس الـ«سي.آي.إيه» على ألمانيا ، وضعه في موقف حرج ومكلف.
على الأقل في المدى القريب. أضاف قضية أخرى إلى لائحة متاعبه الخارجية. أخذ شريحة جديدة من رصيده في الخارج. ليس لأن هذا العمل غير مألوف. فهذه مهنة تمارسها كل الدول. حتى مع الأصدقاء.
لكن الطرف المعني هذه المرة وتكرار استهدافه فضلاً عن التوقيت، جعل من العملية فضيحة تجسسية خاسرة ومربكة. خاصة وأنها تأتي بعد شهور فقط من افتضاح أمر قضية التنصت الشهيرة. وزاد من الدهشة أن الرئيس أوباما جرى تركه، على ما قيل، «خارج الصورة»؛ بحيث كان آخر العارفين بانكشاف أمر الجاسوس العامل لمصلحة الـ«سي.آي.إيه». إذا صحّ ذلك تكون خسائره أكبر.
مشكلة مزدوجة
مشكلته مع الجهة المستهدفة مزدوجة. في أواخر العام الماضي كشف الخبير ادوارد سنودن الهارب إلى روسيا، قصة التنصت الذي مارسته «وكالة الأمن الوطني» على هاتف المستشارة أنغيلا ميركل. لاسترضائها، أعطاها اوباما تأكيداته بأن مثل ذلك لن يتكرر. لكن بعد شهور تبيّن أن الـ«سي.آي.إيه» اخترقت الاستخبارات الألمانية واقتنصت عميلاً لها من صفوف هذه الأخيرة. الأسوأ أن العميل الذي حصل على 34 ألف دولار مقابل تسليمه 200 وثيقة ألمانية غير معروف مدى قيمتها، «تطوّع» بالتجسس .
ثم انتهى بعرض خدماته التجسسية على موسكو ولينكشف في النهاية بانه «غير مؤهل» للقيام بمهمة جاسوس. فكان أن العملية كانت «غير مهنية» وموجهة ضد حليف سبق واكتوى بالتنصت على قيادته.
توقيت صعب
الوجه الآخر من المشكلة، أن العملية انفضحت في اللحظة التي تحتاج فيها واشنطن إلى مساعدة ميركل في أوكرانيا، بحكم علاقتها القوية والموثوقة مع الرئيس بوتين. وفي ضوء تعليقها الأول على الموضوع والذي أدلت به خلال زيارتها إلى الصين، تبدو ميركل أنها في غير وارد النزول بثقلها الضاغط على بوتين.
خاصة في موضوع العقوبات. التجسس صبّ الزيت على نار التنصت وصار على الرئيس أوباما القيام بدور الإطفائي لإخماد الغضب الألماني.
وفي اعتقاد مراقبين، أن التداعيات لن تبقى محصورة في حدود العلاقات بين برلين وواشنطن. آثارها قد تمتد إلى الساحة الأوروبية المتوجسة من بعض السياسات الأميركية. وتجلّى في الفتور الأوروبي إزاء خيار العقوبات على روسيا، الذي تطرحه واشنطن. ومن المتوقع أن يزداد عدم التجاوب مع مثل هذه الرغبة الأميركية.
رضوض في العلاقات
أزمة التجسس هذه قد تتسبب ببعض الرضوض في العلاقات مع برلين. كما مع حلفاء أوروبيين وغيرهم. لكن لن تؤدي إلى تخريبها. الحاجة المتبادلة ترسم حدود النفور. التجسس على الحليف «أمر شديد الحساسية ولو أن عمليات التجسس متبادلة»، كما نسب إلى مسؤول سابق في الـ«سي.آي.إيه» قوله.
ذلك أن عالم الاستخبارات «يهتم دوماً بالتجسس المضاد. فإذا اخترق طرف ما استخبارات طرف آخر صديق، فإن أكثر ما يهمه هو الحصول على معلومات تكشف له ما يقوم به هذا الصديق لاختراق استخباراته» ، كما يضيف في ضوء تجربته.
ثم هناك واقع آخر وهو أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن ممارسة الاختراق والتجسس على الجميع بمن فيهم الأصدقاء، طالما بقيت متفوقة في الأساليب والأدوات. خاصة في مجال التنصّت. ويدرك حلفاؤها هذه الحقيقة، بصرف النظر عن مدى تعبيراتهم عن الضيق والاعتراض والغضب في مثل الحالة الألمانية الراهنة. الـ«سي.آي.إيه» أصيبت بنكسات كثيرة ولن تكون هذه هي المرة الأخيرة.
أما الرئيس أوباما فقد تراكمت نكساته الخارجية، ولم يعد رصيده يحتمل المزيد.
غضب تشريعي
صب المشرعون الألمان جام غضبهم خلال زيارة لواشنطن وانتقدوا اللامبالاة الواضحة حول المسألة في الولايات المتحدة. وقال رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الألماني نوربرت روتغن أمس بعد محادثات مع أعضاء في الكونغرس ومسؤولي الأمن القومي «نرى أن محادثينا على علم قليل جدا بالمشكلة».
وحذر روتغن من أن نشاطات الاستخبارات الأميركية في ألمانيا قد تؤدي إلى «نزاع مجمد» في العلاقات بين جانبي الأطلسي. حماقة
وصف وزير المالية الألماني فولفغانغ شويبله تصرف الأميركيين مع ألمانيا فيما يتعلق بفضيحة التجسس الأخيرة بأنه «حماقة».
وقال شويبله حسب قناة فونيكس الإخبارية الألمانية مساء الأربعاء إنه «على الرغم من أن ألمانيا لم تكن لتتصدى الكثير من التهديدات الإرهابية بدون الشراكة مع مخابرات الولايات المتحدة إلا أن ذلك لا يعني أن من حق الأميركيين تجنيد أشخاص من الطبقة الثالثة لدينا، هذا شيء سخيف، ولا يسع المرء سوى البكاء على مثل هذا القدر من الحماقة».
