أثارت ملابسات وسرية صفقة مقايضة أسرى بين واشنطن وحركة طالبان الأفغانية ردود فعل عارمة في واشنطن. فاجأت المراقبين بصيغتها وشروطها وثمنها الأميركي، بحيث طرحت تساؤلات عديدة عما إذا كان في الأمر ما هو أكثر مما كشفته الإدارة الأميركية فضلاً عن ما هو أبعد من مجرد عملية تبادل. وما عزّز الظنون أن الإدارة كانت في موقع الدفاع الذي تولاّه فريق من أركانها والذي كانت مطالعته غير متماسكة بالقدر المقنع.
صحيح أنها ليست المرة الأولى التي تجري فيها واشنطن مثل هذا التفاوض الملتوي لاسترجاع أسرى حصلت حتى في أيام الرئيس الأسبق رونالد ريغان وأن الاعتراضات التي أثارها الجمهوريون كانت ذات خلفية سياسية تستهدف زيادة تلطيخ سجل سياسة الرئيس الخارجية. لكن الإدارة أقدمت على خطوة تدرك أنها لا تخلو من المجازفة. فالسياسة الأميركية المعمول بها تحظر التفاوض مع الجهات التي تعتبرها واشنطن جماعات إرهابية، مثل «طالبان».
والقانون يوجب إطلاع الكونغرس على مثل هذه العملية قبل شهر من التوقيع عليها. ما فعلته أنها قامت بعملية التفاف على الأولى وتجاهلت الثاني ولو أنه ليس في ذلك تجاوز على القانون لأن صلاحياته كقائد للقوات المسلحة تخوله القيام بهذه الخطوة لاسترجاع أسير عسكري. النقطة الأقوى في خطاب المتحفظين والمحذرين، أن مثل هذه المبادلة من شأنها التشجيع على احتجاز المزيد من الأميركيين، طالما أنها تؤدي إلى تنازلات أميركية.
ردّ الإدارة بأنها لم تفاوض طالبان مباشرة بل عن طريق الوسيط القطري وأن ما حصل ليس سوى «تبادل أسرى حرب» على ما قال وزير الدفاع تشاك هاغل، لم يكن سهلاً تسويقه ولو أنه لا يشكل خرقاً فاضحاً للمألوف والمتعارف عليه. ولم يكن الجدل أقل سخونة حول التكتم الذي رافق العملية وعدم وضع الكونغرس في الصورة إلا بعد التوقيع على الصفقة. خاصة وأن الثمن الذي قدمته واشنطن، كان عالياً ومحفوفاً بالمخاطر، كما أجمعت عليه ردود الفعل.
حتى المعتدل منها. فإطلاق سراح خمسة من قيادات «طالبان» مقابل فك أسر جندي يبدو أن وقوعه في يد الحركة كان «على الأرجح» نتيجة فراره الطوعي من الخدمة، رسم علامة استفهام كبيرة حول العملية. ولو أن هذه العناصر باقية في قطر لمدة سنة حسب الاتفاق والتعهدات القطرية، حيث ستسمح لهم الدوحة بحرية الحركة في البلاد. وستخضع هذه الخطوة لتدقيق واشنطن على الأرجح.
إدارة الرئيس أوباما استهدفت على ما بدا، ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد. فالإدارة أرادت من هذه الخطوة عشية الانسحاب من أفغانستان، استرجاع أسير عسكري وهو الوحيد في الأسر وبما يعطيها نقطة لصالحها. إذ ليس هناك من لا يرحب بهذه العودة. وفعلاً هذا ما حصل بالرغم من كل التحفظات. الأهم على ما بدا من تلميحات المسؤولين أن هذه العملية قد تكون بداية طور جديد «نأمل أن تؤدي إلى الحوار بين الحركة وحكومة كابول» على ما قال مسؤول أميركي.
كما نسب إلى مسؤول آخر التنويه «بحسن نوايا طالبان» في تنفيذ بنود الصفقة وبما أثبت أن قيادتها وتنظيمها متماسكان. إشارات تنطوي على ما يقرب من التمهيد لفتح باب تسوية سياسية يطمح إليها الرئيس اوباما باعتبارها تحقق له انجازين: الانسحاب من أفغانستان في المواعيد التي حددها والتي أثارت انتقادات قوية ضدها ثم ترك أفغانستان بوضع يختلف عن الوضع العراقي بعد مغادرة القوات الأميركية.
ويسود الاعتقاد في واشنطن بأن مثل ذلك يعد متعذراً من غير إشراك طالبان في التسوية. التحدّي هو في كيفية صياغة مثل هذه المعادلة.
