تتزامن زيارات ولقاءات اميركية وروسية لأكثر من عاصمة أوروبية هذا الأسبوع. المناسبات كثيرة، ثنائية وجماعية. من الذكرى الـ70 لبدء هجوم النورمندي في الحرب العالمية الثانية، إلى الذكرى الـ25 لحركة تضامن البولندية، بالإضافة إلى الاجتماع الدوري لمجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى «جي 7» والذي تم تجميد مشاركة موسكو في أعماله ونقل مكان انعقاده من سوشي الروسية إلى بروكسل، رداً على ضم القرم. وبالرغم من زحمة ملفات الطاقة والأمن والأوضاع الاقتصادية، تبقى أزمة أوكرانيا المحور الذي تتقاطع عنده كل هذه التحركات.
فهي على جدول لقاءات الرئيس الاميركي باراك أوباما في وارسو وبروكسل وباريس التي يزورها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أيضاً للتباحث حولها مع نظيره الفرنسي فرنسوا هولاند، قبل أن ينتقل الجميع إلى شاطئ النورمندي للمشاركة في احتفال الحلفاء والذي لا يستبعد أن يجري ترتيب اجتماع على هامشه بين أوباما وبوتين.
مخرج للأزمة
ما يجمع بين الرئيسين أن كلا منهما يتطلع إلى مخرج لأزمة أوكرانيا. أوباما أوراقه شحيحة وضعيفة. خاصة على المدى القريب. بوتين يمسك بالوضع على الأرض في الشرق لتوظيفه في حلّ، من دون رغبة في التصعيد المفتوح. فلا جدال في واشنطن بأن موسكو لها اليد الطولى في هذا الملف وأنه لا بدّ من التعامل مع المشكلة على هذا الأساس. فالرئيس الروسي يأتي إلى فرنسا، بعد أن أدخل الأزمة في «طور الأمر الواقع»، الذي يسمح له بمساحة واسعة من المساومة.
ففي شرق أوكرانيا، عملت موسكو على تمكين منطقتين من إعلان الانفصال. ويتوالى الضغط، حسب المعلومات الأميركية، لفتح ممر برّي من الشرق إلى القرم. وهدّدت موسكو بقطع الغاز عن أوكرانيا إذا تعذر عليها تسديد فواتيرها. في المقابل وعد بوتين بالتعامل مع الرئيس الجديد في أوكرانيا بترو بوروشينكو، كما سحب قواته من المنطقة الحدودية، ولو أن الانفصاليين يمسكون بالوضع
. خطوات تنطوي على مؤشرات «أولية بأن الأمور قد تتخذ منحى الهدوء الذي بدأ يتبلور إلى حدّ ما بعد انتحاب الرئيس الأوكراني»، يقول رئيس مجلس العلاقات الخارجية ريتشارد هاس. ويعود ذلك على الأرجح، «إلى رغبة بوتين في ترك الأمور السياسية تأخذ مجراها، من جهة لاجتناب المزيد من العقوبات ومن جهة أخرى لأنه ربما يرى بأنه لا مصلحة لروسيا في تحوّل دولة جارة مثل أوكرانيا إلى دولة فاشلة»، حسب قراءته. وربما أيضاً يأتي التبريد الروسي النسبي، في سياق المقدمات لاجتماع بين الرئيسين بوروشنكو وبوتين في وقت قريب من الصيف المقبل.
الخروج بصفقة
وقد يدور الشق الأهم من اللقاءات في أوروبا هذا الأسبوع، حول التحضير لمثل هذه القمة للخروج منها «بصفقة» تكون مقبولة من موسكو وكييف وتعيد الاستقرار بالتدريج في ظلّ صيغة تكفل بقاء أوكرانيا خارج «الناتو» وضمن الفلك الروسي وإن من دون تبعية.
معادلة دقيقة وصعبة. لكن موسكو التي تمسك بمفتاح زعزعة الوضع في الشرق عبر الانفصاليين، تسعى إلى مثل هذا الثمن. وتشير أجواء المداولات الأميركية بأن واشنطن مستعدة لغض النظر عن مثل هذا الثمن الصيغة، طالما كانت صيغة إخراجه تحفظ ماء الوجه.
وليس من المستبعد أن يصار إلى استخدام الضغط على كييف وتشجيعها عبر توفير المساعدة الاقتصادية العاجلة لها والتي هي بأمس الحاجة إليها. خاصة وأن كييف تدرك حدود قدراتها العسكرية التي لا تقارن بالإمكانات الروسية.