يفتتح الرئيس الأميركي باراك أوباما، اليوم، احتفال التخريج السنوي لضباط الكلية العسكرية الرئيسية في أميركا (وست بوينت) بخطاب هام يتناول فيه القضايا والتوجهات الخارجية.

وتشير تلميحات صدرت عن مسؤولين في البيت الأبيض عشية المناسبة إلى أن الرئيس سيكشف عن ملامح «تغييرات» ملحوظة ولو غير جذرية في سياسته الخارجية، تقوم على مغادرة الانكفاء الخارجي.

ويأتي هذا التحول الاضطراري من باب الرد على تمادي موسكو وبكين في تمددهما في غير مكان. فالضغوط تزايدت من جانب المحافظين الذين يأخذون على الإدارة كثرة التراجعات والتخبط في السياسة الخارجية، وذلك في وقت دخلت فيه حملة انتخابات الكونغرس في نوفمبر المقبل، مرحلة العد العكسي والتي تشكل نقطة حاسمة لا يقوى الرئيس على تحمّل خسارة حزبه لها، لأنه بذلك تقع رئاسته في الشلل حتى نهايتها. وعليه يبدو أن التوجه رسا على اعتماد صيغة من التدخل تجمع بين «الردع وعدم التورط». وسوريا هي الساحة المرشحة، لوضعها موضع التنفيذ، من بوابتي محاربة التطرف ومعالجة الوضع الإنساني. إذا صحت التوقعات، يبقى السؤال عما إذا كانت إعادة النظر هذه قد جرت لقلب المعادلة على الأرض أم لجعل التمدّد مكلفاً فقط؟

تراكمات ضاغطة

بدأت دواعي مراجعة أوباما لسياسته الخارجية تتراكم وتصبح ضاغطة، بعد سلسلة الفشل المتلاحق منذ مطلع العام الجاري. من مؤتمر «جنيف 2» إلى أوكرانيا ومعه التوتر في بحر الصين، ثم إلى الفيتو الأخير في مجلس الأمن بشأن سوريا؛ فضلاً عن انهيار مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية. صحيح أن الرئيس أوباما يستند في عزوفه إلى رأي عام أميركي يعارض بغالبيته أي شكل من أشكال التدخل في الخارج. لكن الاستمرار في هذا الموقف زاد من تخوّف الأوساط والدوائر المعنية بالشؤون الخارجية في واشنطن، من انسحاب مثل هذا العزوف على «الموقع القيادي» لأميركا في العالم. كما دفع البيت الأبيض، في ضوء استمرار الخسائر، إلى البحث عن شيء آخر غير العزوف. فالاكتفاء بالتذكير بهذا الدور «الذي لا يقوى أحد على لعبه» غيرها، كما قال وزير الدفاع ثم مساعد مستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي؛ لم يعد كافياً. كلام جاء في سياق التطمين ولو واكبه تلويح بالعواقب لو استمرت سياسات التمادي على حالها.

لغة التعويل

الإدارة تعرف أن لغة التعويل صارت بلا مفعول منذ أن محت خطها الأحمر الشهير. لكل ذلك، انتهى البيت الأبيض إلى قناعة، على ما يبدو، بأن الاستمرار بالصيغة الحالية متعذّر، وأنه لا بدّ من سياسة بديلة. أو على الأقل معدّلة. «فالقضايا ستبدو أكبر في الأسابيع القليلة المقبلة» حسب دانيس ماكدونو، رئيس طاقم البيت الأبيض. لذلك جرى «استدعاء عدد من أعضاء مجلس الشيوخ إلى البيت الأبيض» للتشاور معهم ووضعهم في الصورة.

الصورة هذه محورها سوريا، باعتبارها الساحة الملائمة لتبليغ الرسالة، وذلك من زاوية التركيز على محورين كثر الحديث حولهما مؤخراً: خطر تحوّلها إلى قاعدة للإرهاب وأزمتها الإنسانية المطلوب تأمين سبل لمعالجتها. مدخلان أشار إليهما بنجامين رودز، مساعد سوزان رايس. وجاء طلب الأمين العام للأمم المتحدة من مجلس الأمن لإصدار قرار ملزم بإدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا ولو بالقوة العسكرية، ليضفي طابع العجلة على الموضوع ويرفع من درجة جدارته، بحيث يعزّز لاحقاً استخدام أسلوب الفرض مع النظام السوري.

ليست المرة الأولى التي تتحدث أو تلمّح فيها إدارة أوباما عن الحاجة إلى مراجعة سياستها الخارجية المترنحة. تكرر مثل هذا الكلام بعد كل نكسة، لكن هذه المرة، تصدر الإشارات عن البيت الأبيض مباشرة، السوابق تفرض التحفظ. مع ذلك للاضطرار قانونه.