حسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في اجتماع جنيف الرباعي، جولته الثانية في أوكرانيا. هذه المرة بالدبلوماسية التي لاقت التجاوب من كييف، بتشجيع ممزوج بضغط من الثنائي الأميركي الأوروبي.
انتزعت موسكو الموافقة على صيغتها الفيدرالية لأوكرانيا، تحت عنوان التوافق بين الجارين على الحوار، وخفض التوتر بينهما. التسليم بالمطالب الشروط الروسية في هذا الخصوص، عكسته شروحات وردود الوزير كيري في مؤتمره الصحافي.
بعد القرم، التي صارت منسيّة، وغاب ذكرها كلياً في واشنطن، شدّد خطاب إدارة أوباما على وحدة أوكرانيا، مع توجيه الانتقادات لتلميحات موسكو حول اللامركزية والفيدرالية المطلوبة لجارتها.
لكن مع استمرار الحشود الروسية على الحدود الشرقية، وما رافقه من تلويح بالخيار العسكري لحماية الروس والناطقين بلغتهم هناك، تغيّرت النغمة. بدأت تتوالى مؤشرات التمهيد للنظر في الخيار الفيدرالي.
ثم أخذ ذلك شحنة من الزخم، بعد بدء الاضطرابات في مدن القسم الشرقي، والتي كانت موسكو وراءها، حسب ما زعمت واشنطن التي قرأت الرسالة جيداً.
تنازلات
وقال وزير الخارجية الأميركية جون كيري، نيابة عن القيادة الأوكرانية، بأن كييف باتت «على استعداد للذهاب إلى أبعد الحدود لتلبية المطالب المحلية، مثل منح المناطق المزيد من الحكم الذاتي، لحماية حقوق الأقليات»، وما يتطلبه ذلك من إصلاحات دستورية.
وأكد وزير خارجية أوكرانيا، حسب ما قال كيري، على التزام كييف بتحقيقها. بذلك تصبح إدارة الشق الشرقي محلية، ما عدا الدفاع والسياسة الخارجية.
إصرار موسكو على المزيد من توسيع دائرة الحكم الذاتي، يرمي إلى ضمان قدر من التحكم بالقرار المركزي في هذه القضايا بالذات، مثل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال.
الردود في واشنطن حول هذا التوجه، متنوعة بقدر ما هي مرتبكة. كافة المعنيين من خبراء الشؤون الخارجية ومصانع الرأي وجيش المحللين والمراقبين، يدركون أن بوتين يمسك بقواعد اللعبة.
دبلوماسية
ثمة من يرى أن المطلوب الآن تقليل الخسائر ولجم اندفاعة بوتين، من خلال الدبلوماسية غير المتصادمة معه. توجّه تمثله الإدارة لقصر اليد، كما لحرصها على مداراة موسكو لحاجتها إليها في ملفات أخرى في الشرق الأوسط.
وفريق يشدّد على ضرورة رفع سقف العقوبات الموجعة باعتبارها الورقة القادرة على كبح مشروع سيّد الكرملين، بالإضافة إلى تسليح «القوى الأوكرانية المستعدة لمقاتلة الروس دفاعاً عن النفس».
آخرون يرون أنه لا فرق في طرق التعامل معه، حيث إنه عازم على مواصلة حجز أوكرانيا، في الفلك الروسي، وأن التسليم بخياره الفيدرالي لن يوقف قطاره «حيث يصوَب الآن على هدفه التالي، والمرجح أن يكون مدينة أوديسا التي تشكل المرفأ الهام لأوكرانيا على البحر الأسود»، فضلاً عن «قسم منشق من مالدوفيا تقوم على أرضه قواعد عسكرية روسية كبيرة».
الرئيس بوتين طالب واشنطن بالضغط على كييف، حيث تحقق الطلب، وتم التوصل إلى صيغة سياسية، من المفترض أن تشكل المخرج للأزمة. لكن لا ضمان لترجمتها على الأرض. وتبقى الثقة معطوبة بين الجهات المعنية. خاصة بين واشنطن وموسكو. وجذور العطب قديمة. تعود إلى بدايات تمدّد « الناتو» بعد الحرب الباردة.
تصفية حسابات
يبدو أن الرئيس الروسي في وضع العازم على تصفية حسابات تعود إلى ذلك الوقت. فالقراءات الأميركية الرصينة تقول إنه «يحسب خطواته» مسبقاً، وإنه يلتقط المخرج السياسي في اللحظة المناسبة، التي لا يبدو أنها متوفرة الآن. وحتى ذلك الحين، يبقى بوتين في مقعد القيادة.
أمران يقول العارفون، إنه لا يقوى على تحقيقهما: استعادة رقعة ومجد الإمبراطورية السوفييتية، ثم الاستمرار في ممارسة لعبة القوة على المدى البعيد. وربما لهذا هو مستعجل على مراكمة المكاسب قبل إبرام تسوية سياسية.
الانفصاليون يرفضون الاعتراف باتفاق جنيف
مازال انفصاليون مسلحون مؤيدون لروسيا يحتلون مباني عامة في شرق أوكرانيا، حيث أعلنوا أنهم لا يعتبرون أنفسهم ملزمين باتفاق جنيف، الذي يأمرهم بنزع سلاحهم. في وقت قال الرئيس الأميركي باراك أوباما انه ليس واثقاً من أن الاتفاق سيؤدي لنزع فتيل التوتر.
وأبلغ الناطق باسم جمهورية دونيتسك الشعبية المعلنة من جانب واحد دنيس بوشيلين أن الانفصاليين لا يعترفون بشرعية الحكومة الأوكرانية. معلناً مواصلته احتلال لمباني العامة، وأضاف: « وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لم يوقع باسمنا بل باسم روسيا».
مواصلة السيطرة وفي الشارع لم يحدث تغير يذكر. ووقف رجال يحملون بنادق كلاشنيكوف أمام مكتب رئيس بلدية سلافيانسك وراء أجولة من الرمال. واستمر الانفصاليون في السيطرة على الشوارع الرئيسية في المدينة وفي تفتيش السيارات عند نقاط تفتيش أقاموها في أنحاء المدينة.
في غضون ذلك، قال اوباما انه ليس واثقاً من أن الاتفاق الذي تم التوصل اليه الخميس في جنيف حول أوكرانيا سيؤدي لنزع فتيل التوتر على الأرض، مهدداً روسيا بفرض عقوبات أميركية وأوربية جديدة عليها إذا تأزمت الأمور.
