عندما وصل الباكستاني عبد الغني جاويد إلى مطار هيثرو اللندني العام 1961، لم يكن معه ـ بالإضافة إلى زوجته زبيدة ـ سوى جنيه استرليني واحد، ظن والده أنه كاف لتدبير أموره خلال شهره الأول في بريطانيا!

بعد 53 سنة من ذلك العام، أصبح أحد الأبناء الخمسة لهذا المهاجر متواضع الحال وزيرا للثقافة والرياضة ووسائل الإعلام في المملكة المتحدة، بل ونجما صاعدا في سماء السياسة البريطانية يرشحه مراقبون لأن يكون خليفة لرئيس الوزراء الحالي ديفيد كاميرون في زعامة حزب المحافظين ورئاسة الحكومة أيضاً.

واختير ساجد جاويد، المولود في العام 1969 في مدينة بريستول جنوب غرب انجلترا، لمنصبه الوزاري خلفا لماريا ميللر التي اضطرت للاستقالة يوم الأربعاء الماضي على خلفية فضيحة تتعلق بإساءتها استخدام المخصصات المالية الحكومية الممنوحة لها.

والمفارقة أن هذه ليست المرة الأولى التي يستفيد فيها جاويد من مثل هذه الفضائح، فعندما انتخب نائبا في مجلس العموم البريطاني للمرة الأولى عام 2010، كان ذلك عبر فوزه بعضوية المجلس عن بلدة برومسغروف الواقعة قرب مدينة برمنغهام، بعدما استقالت النائب عن البلدة إثر فضيحة مخصصات مالية مماثلة.

في ذلك الوقت، اعتبر مراقبون ترشح هذا الرجل لعضوية البرلمان مخاطرة ربما تكون غير محسوبة من جانبه، فقد ترك بذلك عمله المزدهر في القطاع المصرفي، الذي كان يدر عليه دخلا قدّرته وقتذاك مصادر اقتصادية لها وزنها بثلاثة ملايين جنيه استرليني سنويا، أي ما يزيد على خمسة ملايين دولار أميركي.

حصول جاويد على هذا الدخل الهائل لم يأت من فراغ، فقد كان أصغر من شغل منصب نائب مدير مصرف تشيس مانهاتن الأميركي الشهير، عندما اختير لهذا المنصب في العام 1993 وعمره لم يتجاوز 24 عاما. بعد ذلك، انتقل إلى مصرف دويتشه بنك الألماني، ليصبح عضوا في مجلس إدارته ومسؤولا عن العمليات التجارية للمصرف في قارة آسيا بأسرها.

ولكن هناك من رأى أن تضحية جاويد بالأموال الطائلة الناجمة عن عمله المصرفي لكي يصبح نائبا لا يتجاوز دخله 65 ألف جنيه استرليني سنويا، لم تكن مقامرة خاسرة من قبل رجل عُرف بحساباته الدقيقة، فبعد عام فحسب من دخوله قصر ويستمنستر، حيث مقر البرلمان، اختير مساعدا برلمانيا لوزير الخزانة اللامع جورج أوزبورن.

بعد عام آخر؛ أي في 2012، أصبح ابن المهاجر الباكستاني سكرتيرا اقتصاديا لوزارة الخزانة، ثم سكرتيرا ماليا للوزارة منذ أكتوبر 2013، في صعود وُصف بالصاروخي بمعايير المؤسسة السياسية التقليدية في بريطانيا، التي لم تشهد صعودا مماثلا، منذ أن لمع نجم رئيس الوزراء الأسبق توني بلير خلال تسعينيات القرن الماضي، ليخطف الأضواء وقتذاك من الوجوه العتيقة، سواء في حزبه العمال أو في حزب المحافظين.

وبنظر محللين لا يبدو من المتعذر على ساجد جاويد تكرار سيناريو بلير ولكن كسياسي محافظ هذه المرة، ليسير على درب رئيسة الوزراء السابقة مارغريت ثاتشر التي يعتبرها ملهمته ومثله الأعلى منذ كان في الحادية عشرة من عمره، إلى حد أنه اختار أن يضع لوحة شخصية (بورتريه) لها في مكتبه بوزارة الخزانة.

ففي وقت يقترب فيه حزب المحافظين من خوض الانتخابات العامة المقررة في مايو من العام المقبل، يعتبر خبراء سياسيون في لندن أن النموذج الذي يمثله هذا السياسي المنحدر من إحدى الأقليات العرقية سيكسب الحزب نكهة يحتاجها بشدة في الفترة الحالية لمواجهة حزبي العمال (يسار وسط) والاستقلال (يمين متطرف).

فجاويد يضفي تنوعا على تركيبة ساسة الصف الأول في حزب المحافظين، تلك التركيبة التي طالما اُتهمت بأنها مؤلفة من الساسة بيض البشرة خريجي المدارس الخاصة فحسب، إذ أنه ملّون تلقى تعليمه الأساسي في مدرسة حكومية، قبل أن يحصل على منحة لدراسة السياسة والاقتصاد في جامعة إكستر، كأول شخص في أسرته كلها يلتحق بالتعليم الجامعي.

كما أن السياسي الشاب هو أول وزير في الحكومة البريطانية الحالية تعود أصوله إلى الطبقة العاملة، وهو ما يؤكد عليه في كل تصريحاته الصحافية، حيث لا يخجل من الحديث عن أنه نشأ في منزل صغير المساحة في بريستول، وأن والده عمل سائق حافلة وفي أحد مصانع النسيج، قبل أن يتحول لبيع ملابس كانت تحيكها والدته على قارعة الطريق، مما مكّنه في ما بعد من امتلاك محل لبيع الثياب.

أصول مسلمة

في الوقت نفسه، لا ينتظر أن تشكل الأصول المسلمة لساجد جاويد مشكلة كبيرة لدى التيار اليميني في المجتمع البريطاني، فمن الوجهة الاجتماعية، يجاهر الرجل بأنه "مسلم غير ممارس"؛ بعبارة أخرى مسلم على نحو نظري فحسب، كما أنه متزوج من سيدة مسيحية متدينة.

أما بالنسبة للمحافظين اقتصاديا، فجاويد دائما ما كان في صف القرارات الأكثر يمينية في البرلمان، وهو ما يكشف عنه مراجعة السجل التصويتي كنائب في مجلس العموم، إذ أيد رفع رسوم التعليم الجامعي من ثلاثة آلاف جنيه استرليني سنويا إلى تسعة آلاف، وأبدى دعمه لتقليص مخصصات الرعاية الاجتماعية، وكذلك لبيع مساحات خضراء شاسعة مملوكة للحكومة إلى مستثمرين من القطاع الخاص.

خطوة

رغم أن هناك من يقول ان الخلفية الاقتصادية والمصرفية لهذا الرجل قد تحول دون أن يكون وزيرا ناجحا للثقافة، فإن المقربين منه يقولون إن انخراطه في العمل السياسي منذ انضم إلى حزب المحافظين وهو في التاسعة عشرة من العمر يجعل من اليسير عليه تحقيق النجاح في أي موقع.

كما أن هناك من المحللين من يرى أن المنصب الوزاري الحالي لجاويد، ليس إلا خطوة على طريق تحقيق حلمه بدخول مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت، حتى يجلس في نهاية المطاف على المقعد الذي جلست عليه ثاتشر، قبل أكثر من ثلاثة عقود كأول رئيسة وزراء في أوروبا بأسرها.

وبحسب هؤلاء، فإن الوزير الجديد لا يخفي رغبته في تحقيق هذا الهدف.