تتطلع المعارضة في تركيا، التي ذاقت مرارة الهزيمة بفشلها في النيل من هيمنة رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان على صناديق الاقتراع، إلى المناطق المحافظة دينيا في قلب البلاد التي ابتعدت عنها لفترة طويلة وتسعى للتخلص من صورتها كمعقل للنخبة العلمانية القديمة.

ويمكن القول بأن أردوغان يكاد يحتكر السياسة في تركيا على مدى عشرة أعوام ساعده على ذلك الغياب الفعلي لمعارضة يمكنها الحصول على تأييد جماهيري مشابه للتأييد الذي يتمتع به حزب العدالة والتنمية. وتبين أن آمال منافسي أردوغان في إضعاف قبضته بسبب فضيحة الفساد والاحتجاجات المناهضة للحكومة في الصيف الماضي لم تكن في محلها.

وزاد حزب العدالة والتنمية من حصته من أصوات الناخبين وسيطر على مدينتي اسطنبول وأنقرة الرئيسيتين في الانتخابات المحلية التي أجريت في 30 مارس الماضي. وكتب مؤيد ساخط للمعارضة في صفحته على موقع «فيسبوك»: «قررت أن أهاجر إلى إزمير»، في إشارة إلى محافظة إزمير المطلة على بحر إيجه التي لا تزال معقلا لحزب الشعب الجمهوري المعارض.

نتائج وانتخابات

ويتظاهر زعيم الحزب كمال كليجدار أوغلو الدمث الخلق بالتماسك، إذ يرى بعد مرور أربعة أعوام على توليه مقاليد السلطة في الحزب ببرنامج إصلاحي أنه يجب أن يتطلع لتأييد ملايين الأتراك المحافظين الذين اقتنعوا برؤية حزب العدالة والتنمية.

وقال لوكالة «رويترز» في مكتبه في أنقرة: «عملنا على أن نجمع تحت سقف حزب الشعب الجمهوري كل القوى المؤيدة للجمهورية والديمقراطية والنظام العلماني»، منوها إلى أن حزبه «حقق نتائج متواضعة في إجمالي حصته من الأصوات»، ومقراً بأنه «في حاجة إلى إعادة صياغة استراتيجيته». وتابع قائلا: «لدينا هوية راسخة الجذور وتاريخ. ولو كنا نسعى اليوم لأصوات جميع المواطنين لتعذر علينا التمييز بينهم.

نريد احتضان الجميع فردا فردا». والجهود الرامية لتوسيع قاعدة التأييد لحزب الشعب الجمهوري، دفعته إلى اختيار مرشح سابق لحزب قومي للتنافس على رئاسة بلدية أنقرة وهي خطوة قربته من الفوز بفارق نقطة مئوية واحدة.

وقد تدفع هذه الجهود الحزب الآن إلى السعي للاتفاق على مرشح يحظى بتوافق في انتخابات الرئاسة التي ستجري في أغسطس المقبل، والتي من المتوقع على نطاق واسع أن يخوضها اردوغان تعززه النسبة التي فاز بها حزبه في الانتخابات البلدية وتبلغ 46 في المئة.

وجنى حزب اردوغان ثمرة عمله في مجال الخدمات الاجتماعية، التي تراوحت من الطرق إلى التعليم إلى الرعاية الصحية إلى دور الإيواء، في المناطق الريفية التي شعرت لعقود أنها مهمشة من الأحزاب العلمانية التقليدية.

دوائر وصورة

وأمام حزب الشعب الجمهوري، الذي كان في السابق خليطا من القوى اليسارية والقومية، الكثير لاستعادة دوائر الفقراء التي يفترض أن تكون دائرة تأييده الطبيعية. وتقتصر قواعد تأييد حزب الشعب الجمهوري أساسا على الطبقات الوسطى المدنية العلمانية. ويسيطر على بلدات على ساحل بحر إيجه ويحشد أعدادا كبيرة في المراكز المنفتحة على العالم في أنقرة واسطنبول، لكنه لم يبذل الكثير لجذب الكتلة الكبيرة للناخبين الأكراد.

كما أن الحزب غير موجود تقريبا في مساحات شاسعة في سهول الأناضول وسط وشرق تركيا. ويسلم بعض المسؤولين في الحزب في أحاديثهم الخاصة بأنهم إذا أرادوا كسب أصوات الجماهير المحافظة فإن عليهم أن يبتعدوا كثيرا عن رمز مصطفى كمال أتاتورك وصورته.

 الدين

لا يزال الجدل حول دور الدين يلقي بظلاله على السياسة في تركيا بعد مرور أكثر من 90 عاما على تأسيس مصطفى كمال أتاتورك لجمهورية علمانية حظر فيها ارتداء الحجاب في الأماكن العامة حتى العام الماضي وفرضت رقابة صارمة على التعليم الديني.