بالنسبة لرئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان، لم يكن خصمه في الانتخابات البلدية التي جرت في 30 مارس، من القوميين الأكراد أو العلمانيين الكماليين، إنما خصمه الجديد هو شريكه في الانتصارات السابقة، الداعية الإسلامي فتح الله غولن.

ولم تكن لهذه الانتخابات دلالات كبيرة خارج إطار الصراع بين أردوغان وتيار غولن الذي ظهر ضعيفاً، غير قادر على التأثير على مجرى الانتخابات ولو بنسبة ضئيلة.

نُذر الحرب

قبل إعلان النتائج الرسمية بساعات، ألقى أردوغان خطاباً بمناسبة فوز حزبه بنسبة 45 في المئة في الانتخابات البلدية، تطرق فيه بشكل مباشر إلى الخلاف مع الداعية المقيم في الولايات المتحدة ويمتلك شبكة مثيرة للجدل من المدارس والجامعات في تركيا.

وقال أردوغان إن «نتائج الانتخابات أكدت أن السياسة اللاأخلاقية وسياسة التسجيلات المفبركة والتسريبات فشلت»، مضيفاً في لهجة تحدي: «قد نشهد غداً فرار بعض الأشخاص من تركيا لأن البعض قام بارتكاب جريمة الخيانة ضد دولتنا.. سندخل عرينهم..سيدفعون الثمن».

 

سلاح فتاك

وتوحي تصريحات الانتصار لأردوغان لأنه سيمضي قدماً في حملته ضد معارضيه الشرسين الذين يستخدمون سلاحاً فتاكاً: التسريبات الأمنية وكشف عمليات فساد حكومية.

لكن رئيس حزب العدالة الذي يتهيأ للترشح إلى الانتخابات الرئاسية في أغسطس المقبل، يعمل على تشكيل لجنة برلمانية خاصة بمزاعم الفساد التي طالت أربعة من وزرائه، وكانت واحدة من أكبر الفضائح التي واجهها طيلة سنوات حكمه التي دخلت عامها الـ13. بالرغم من ذلك، نجا أردوغان بشكل أثار دهشة معارضيه، وزاد من نسبة أصواته من 38 في المئة في انتخابات 2009، إلى 45 في المئة من دون ان يمنع ذلك من تعرضه لخسائر تفصيلية في بعض الولايات لصالح منافسيه، وخاصة حزب السلام والديمقراطية الكردي.

صدمة المعارضة

بعد انتهاء التصويت، عقد رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو، مؤتمراً صحافياً، نفى خلاله اتهامات الحكومة بتحالفه مع حركة غولن. لكن الأوساط القريبة من حزبه تتوقع أن تظهر مطالبات باستقالة كليجدار أوغلو ليحل محله القيادي مصطفى صاريغول، خاصة أن الوعود الانتخابية التي قطعها الأول كانت تعتبر تجاوز الـ30 في المئة في حكم المنتهي، لكنه لم يتخط فعلياً الـ28 في المئة مع خسارة ثقيلة لولاية تونجلي ذات الغالبية الكردية العلوية التي ذهبت إلى القوميين الأكراد.

أين اختفت أصوات الداعية غولن؟. لا توجد أي علامات على موقف علني لهذه الحركة في الانتخابات. هناك شيء واحد مؤكد مسبقاً حتى قبل الانتخابات: غولن يسعى بكل قوته إلى إلحاق الهزيمة بأردوغان.

غير أن البحث عن وزن الحركة ليس بالأمر اليسير حتى على أعضاء وقياديي الحركة أنفسهم، ذلك أنها كتلة لم تخضع للقياس، وظلت أصواتها مندمجة مع أصوات حزب العدالة والتنمية بدون أن يكون هناك وجه للتمايز فيما بينهما.

ومع نتائج الانتخابات الأخيرة، يبدو فتح الله غولن الخاسر الأكبر في كل تركيا، وارتكب خطأ استراتيجياً لدعمه، عبر قاعدته الإسلامية المعتدلة، حزب الشعب الجمهوري (العلماني)، مفضلاً إياه على حزب السعادة الإسلامي. وبتتبع الفروقات البسيطة الذي أحدثه هذا الدعم في أصوات حزب الشعب، فإن الترجيح الأكبر هو أن قسماً كبيراً من حركة غولن امتنعت عن التصويت لحزب يحارب حجاب النساء.

نهاية مرتقبة

ذهب الكاتب والشخصية البارزة في حركة غولن، حسين غولرجة، إلى مستوى آخر في توصيف الارتدادات الكارثية للحرب بين الحركة وأردوغان، وخاصة بعد الانتخابات، معتبراً أن «حركة غولن تعرضت لإهانة شديدة. للمرة الأولى تقف ضد الغالبية وتخسر.

وأصيبت بجرح وفقدت خصوصيتها.. ماذا فعلنا؟ لقد طرقنا الأبواب وطلبنا من الناس أن يصوتوا لحزب الشعب الجمهوري». كان غولرجة على وشك القول إن حركة غولن انتهت، فيما يستعد أردوغان لشن حربه الهجومية الحاسمة، وربما النهائية، عليها.

تشكيك

 

فور صدور النتائج الأولية للانتخابات، نقل موقع حركة غولن على الانترنت تقريراً عن صحيفة زمان المقربة من غولن، شككت خلاله بنتائج الانتخابات. وجاء عنوان التقرير معبراً عن التسويق لفكرة التزوير: «حزب العدالة والتنمية يكسب الأصوات بعد ليلة من فوضى الانتخابات».

 وأشارت إلى حوادث محددة عن جدول تلاعب في النتائج في اسطنبول وأنقرة، إضافة إلى هجمات الكترونية كبيرة على وكالة أنباء على خلاف مع حزب العدالة لمنعها من إيراد النتائج قبل وكالة أنباء الأناضول الموالية لأردوغان.

 المعارضة تطعن في النتائج

 

طعن اكبر حزب معارض لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أمس بنتائج الانتخابات البلدية في انقرة، التي فاز بها بفارق ضئيل حزب العدالة والتنمية الاسلامي المحافظ الحاكم، مؤكدا شبهة التزوير التي اتهم بها الحزب الحاكم.

وقال نائب حزب الشعب الجمهوري ايكان ارديمير: «سنرفع طعنا لدى المجلس الانتخابي الاعلى». واضاف ان «اكثر من الف من متطوعينا يعملون منذ اكثر من 48 ساعة للتحري في المعطيات في المقر العام لحزبنا، لدينا ادلة على وقوع مخالفات».

من جانبه، قال مرشح الحزب منصور ياواش، عبر حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، ان «حزب الشعب الجمهوري المعارض سيجهز طلبنا لمقارنة محاضر صناديق الانتخاب وبيانات المجلس الاعلى للانتخابات».

واضاف ان «التزوير كان واضحا من خلال المدة الطويلة التي استغرقتها عملية فرز الاصوات، فمن غير المعقول ان تظهر نتائج انتخابات مدينة مثل اسطنبول التي تعد اكبر مدن تركيا في منتصف الليل، فيما تظهر نتائج انقرة ظهر اليوم الثاني».

واوضح انه تم فرز 90 في المئة من المدن المحسوبة على الحزب الحاكم خلال اربع وخمس ساعات، في حين لم تفرز نسبة 10 في المئة من الاصوات المتبقية في سبع مدن تركية حساسة خلال 10 ساعات وهو ما يثير الشكوك اكثر حول تزوير الانتخابات في هذه المدن.

واكد ياواش ان الحزب المعارض يعتزم ايضا الطعن في نتائج مدينة أنطاليا الساحلية الجنوبية، موضحا انه سيقدم في الطعن ادلة تضم مقاطع فيديو تظهر عملية احراق الاوراق الانتخابية التابعة للحزب في مدينة اضنة في احدى المدارس.

وأشار ياواش إلى قطع التيار الكهربائي عن اكثر من 20 مدينة تركية اثناء فرز الاصوات في الظلام، فيما ألقى اردوغان خطاب النصر في ساعات مبكرة قبل اعلان النتائج النهائية في اسطنبول وانقرة.

وردا على هذه الانتقادات قال وزير الطاقة التركي تانر يلدز ان انقطاع التيار الكهربائي في بعض المدن التركية اثناء عملية الفرز لم تؤثر عليها حيث «تمت بنزاهة وسلام». فيما قال محام مقرب من حزب الشعب الجمهوري، طالبا عدم كشف هويته، ان «عمليات تزوير كبيرة تبينت في عدة مراكز اقتراع».