تستعد تركيا اليوم الأحد لانتخابات بلدية ليست مثل أيٍّ من سابقاتها، ويُرجَّح أن تشكّل امتحاناً قاسياً لرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان الذي يواجه وضعاً صعباً نتيجة احتجاجات في الشارع وفضيحة سياسية مالية غير مسبوقة.. في وقت أعرب خبراء أمميون عن القلق إزاء قيام الحكومة التركية بحجب موقعي: تويتر ويوتيوب، ورأوا في الأمر محاولة لتقييد الوصول إلى المعلومات قبيل الانتخابات التي تتضارب بشأنها استطلاعات الرأي وإنْ بدا أنّ حزب العدالة والتنمية سيبقى متقدّماً رغم الفضائح والهزات التي تعرّض لها وما تسبّبت به من تصدّع.
ويتوجه 52.7 مليون ناخب تركي إلى صناديق الاقتراع وعددها نحو ١٧٠ ألفاً في ٨١ ولاية تركية لانتخاب رؤساء البلديات وأعضاء المجالس المحلية ومختاري الأحياء. ويشارك في الاستحقاق ٢٢ حزباً سياسياً، أهمها العدالة والتنمية الحاكم والشعب الجمهوري، وهو أكبر أحزاب المعارضة ومعه حزب الحركة القومية والسلم والديموقراطية الكردي..
في وقت تناقضت كل استطلاعات الرأي بشأن النتائج المحتملة للانتخابات التي ستحدد في الوقت نفسه ماهية ردود فعل المواطن التركي على كل ما سمعه عن أردوغان وحزبه وحكومته على صعيد السياسة الداخلية والخارجية. وتوقع البعض من مراكز الأبحاث أن الناخب التركي سيستمر في دعمه لحزب العدالة والتنمية، بعد أن أقنعهم أردوغان بأن كل التسريبات الصوتية كاذبة ومفبركة ومن تخطيط الداعية فتح الله كولن وتنفيذه.
تحديد مصير
ويدرك الجميع أن نتائج الانتخابات ستحدد مستقبل أردوغان الذي إن خسر الانتخابات، فسيخسر كل شيء، وأهمه حلمه بدخول قصر شنكايا الرئاسي أما إذا صمد، فلن يكون من السهل عليه الاستمرار لأن الشعب التركي، على ما أظهرت تظاهرات جيزي، لن يلتزم الصمت حيال حكومته التي يتوقع أن تعمد اعتباراً من يوم غدٍ الاثنين للسير قدماً على طريق إحكام السيطرة التامة على جميع مؤسسات الدولة ومرافقها، وهو ما سيتطلب التخلص المطلق من جميع أشكال المعارضة وأنواعها، التي تعرف جيداً أن بقاء أردوغان في السلطة سيعني القضاء على ما يسمى الجمهورية التركية.
ورغم الفضائح والخلافات، يبقى أردوغان السياسي الأكثر شعبية في تركيا بفارق كبير عن سواه. وحزبه الذي فاز بكل الانتخابات منذ 2002 سيتصدر هذه المرة أيضاً نتائج التصويت اليوم، بحسب التوقعات، متقدماً على حزب الشعب الجمهوري (اجتماعي ديمقراطي) وحزب الحركة الوطنية.
وفي هذا السياق، قال الخبير السياسي في جامعة تكساس الأميركية برنت ساسلي ان «أردوغان لا يزال يمارس ضغطاً شديداً على كل المؤسسات التركية»، مضيفاً أنّه «من الصعب تقدير حجم التراجع الذي سيسجّله لكن الفرص ضئيلة بأنّ يؤدي الى ضرب شعبيته».
وقال المقرر الخاص المعني بالحق في حرية الرأي والتعبير فرانك لارو إنّ «الحق في حرية الرأي والتعبير هو الركيزة الأساسية للمجتمعات الديمقراطية الحديثة، والقيام بحجب الوصول إلى موقعي يوتيوب وتويتر يقيد دون مبرر تماماً هذا الحق الأساسي».
كما شددت المقررة الخاصة المعنية بالمدافعين عن حقوق الإنسان مارغريت سيكاغيا على الدور الرئيسي لوسائل الإعلام الاجتماعية والوصول إلى المعلومات لأولئك الذين يدافعون عن حقوق الإنسان وتعزيزها، بما في ذلك من خلال مراقبة الانتخابات والنقاش العام، وإثارة قضايا تتعلق بالمصلحة العامة.

وذكر المقرر الخاص المعني بحقوق حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات ماينا كياي أنّ «حظر الوصول إلى تويترويوتيوب، هو أيضاً ضربة قاسية للحق في حرية التجمع السلمي، حيث تستخدم وسائل الإعلام الاجتماعية على نحو متزايد من قبل الأشخاص لتعبئة وتنظيم الاحتجاجات السلمية، وخاصة في سياق الانتخابات». وأشار المقررون إلى انهم على استعداد للتعاون مع الحكومة التركية بصدد ضمان تطبيق التزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
خريف معلن «للسلطان الجديد» في تركيا
بعدما فرضه تولي الحكم منذ 12 سنة سيدا على تركيا، قوضت ممارساته السلطوية وانفجار فضيحة فساد غير مسبوقة، صورة رجب طيب اردوغان عشية انتخابات تعتبر اساسية من اجل مستقبله السياسي. حيث إن موقعه لم يواجه يوما الضعف الذي ينخره الان منذ تسلم حزبه العدالة والتنمية مقاليد الحكم في 2002.
وتلطخت سمعة اردوغان الذي وصفه الشارع بأنه «ديكتاتور» في يونيو الماضي، باتهامه في قضية سياسية مالية غير مسبوقة تهز اركان الدولة عشية انتخابات بلدية اليوم الاحد ورئاسية في اغسطس. ويعتبره خصومه منذ اسابيع «لصا» ويطالبون باستقالته. ويتبين من تسجيلات هاتفية مقرصنة انه «عراب» يبتز الرشاوى من ارباب العمل او مستبد يفرض على وسائل الاعلام الحديث عنهم. وقد تعرض للانتقادات المشينة في جميع انحاء العالم لاقدامه على حجب خدمتي تويتر ويوتيوب.
لكن اردوغان الذي يسخر منه منافسوه ويصفونه احيانا بأنه «سلطان» جديد، لم يستسلم. ولم يقف الامر عند هذا الحد. فعلى غرار ما حصل خلال العصيان على الحكومة في الربيع الماضي، استأنف استراتيجيته المفضلة، وهي الاضطلاع بدور الضحية وأعد الرد. . ففي الستين من عمره، ما زال اردوغان الى حد بعيد الشخصية التي تحظى بشعبية منقطعة النظير، منذ ايام مصطفى كمال اتاتورك مؤسس تركيا الحديثة، بفضل رصيده الاساسي المتمثل بازدهار اقتصادي واستقرار سياسي مستمر منذ عقد.
وفي كل من لقاءاته العامة، يلهب حماسة انصاره بالحديث عن «مؤامرة» تستهدف تركيا وشخصه اعدها حلفاؤه القدامى في جميعة فتح لله غولن. فمن خلال ترسيخ صورة الرجل القوي المتفهم لهموم المواطن التركي العادي، تسلق مراتب السلطة.
ومنذ سنوات، تحصد سياسته القائمة على الديموقراطية المحافظة التي توائم بين الرأسمالية والاسلام المعتدل، النجاح تلو النجاح، حفزتها نسب النمو الهائلة للاقتصاد التركي. وبعد اعادة انتخابه في 2007 ثم في 2011 بحصوله على حوالى 50 في المئة من الاصوات، بدا عندئذ انه استقر في الحكم لفترة طويلة وبات يحلم بالانتخابات الرئاسية في 2014.
وقال ايلتر نوران الاستاذ في جامعة بيلجي في اسطنبول إنّه «منذ تسلم الحكم تحول تدريجيا من البراغماتية الى الايديولوجية، ومن العمل الجماعي الى القرارات الشخصية، ومن الديمقراطية الى الاستبداد»
وزادت قضية الفساد التي اندلعت في 17 ديسمبر من تشويه صورته. ورد اردوغان بعمليات تطهير قاسية وقوانين وصفت في تركيا وبروكسل وواشنطن بأنها تقضي على الحريات. وعلى المنابر، استعاد خطابه العدواني وشد عزائم انصاره لخوض انتخابات بلدية تعتبر استفتاء حول شخصه.
توقيف كاتب
ذكرت الصحافة التركية ان كاتباً وجامعياً تركياً مقرباً من جمعية الداعية فتح الله كولن اودع قيد التوقيف الاحترازي في أنقرة بعد تسريب محرج للنظام التركي بخصوص سياسته في سوريا.
واوقف الخبير في الشؤون الامنية أوندر ايتاتش لأنّه أوحى في برنامج تلفزيوني انه مطلع على وجود تنصت يورط السلطة.
ورفع رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، دعوى قضائية ضد 4 صحافيين مقربين من حركة الخدمة التي يتزعمها، فتح الله غولن، على خلفية نشر تسجيل للإجتماع الأمني السرّي حول سوريا، والسخرية منه بسبب المشاكل في صوته خلال المهرجانات الإنتخابية.
