أكثر التحديات إرباكاً وإحراجاً، تلك التي تجتمع فيها المفاجأة والتوقيت الغلط وتكون إزاءها الأيادي مربوطة. خصوصاً إذا كانت من العيار الثقيل. ينطبق ذلك إلى حدّ بعيد على الموقف الأميركي ومعه الأوروبي، من سلخ القرم عن أوكرانيا لضمها قريباً إلى روسيا. والمفارقة الصارخة أن الغرب هو الأقوى والأغنى، لكن روسيا هي الأقدر هنا. إمكاناته المتفوقة، لم تشفع به. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتولّى المقعد القيادي في هذه الأزمة. وواشنطن تلهث وراءه لتقليل الخسائر، في أحسن الأحوال. كل ما كان في جعبتها للرد على الاستفتاء واعتراف موسكو باستقلال شبه الجزيرة، لم يتجاوز حدود فرض عقوبات فردية على مسؤولين روس من الصف الثالث. خطوة سخرت منها موسكو وتعاملت معها بتهكّم. الرئيس باراك أوباما وصفها بأنها عقوبات مدروسة وجاءت على قياس الخطوة الروسية. وتوعّد بتوسيعها إذا تمادت موسكو وأعلنت الضمّ. ومن المتوقع حصول ذلك بعد ثلاثة أشهر.

نقمة وخيارات

توصيف اوباما لخطوته، اثار نقمة المحافظين والمتشددين في واشنطن. لكن نقمتهم في معظمها مزايدة سياسية. زعموا خلال هذه الأزمة أن «ضعف» أوباما الذي انكشف بتراجعه في سوريا، هو الذي شجع بوتين على توجيه ضربته في القرم. تهمة لا تستقيم مع الواقع، إذ أن الرئيس الروسي دخل جورجيا عسكرياً أيام الرئيس السابق جورج بوش. غزو هذا الأخير للعراق لم يردع بوتين، كما قال أحد كبار المسؤولين في البيت الأبيض. وعلى قاعدة هذا التعليل تقول الإدارة أن الخيارات العملية شحيحة، في اللحظة الراهنة. بل من الأفضل عدم التمادي فيها، لئلا تحفز بوتين على توسيع دائرة التحدّي. خاصة وأنه يمسك بأوراق كثيرة، لو استخدمها من شانها أن تزيد من تعقيد وخطورة المشكلة. ليس فقط ورقته العسكرية، حيث ترابط قواته على حدود أوكرانيا الشرقية؛ بل هناك أيضاً خيارات أخرى قد تلجأ إليها موسكو، مثل التسلل والحرب النفسية واستفزاز الشارع الأوكراني بأساليب مخفيّة بحيث يجري التضييق على الأقليات ومنها الروسية داخل أوكرانيا وبما يعطيه الذريعة للتدخل الذي يهدّد البلد بالتحول إلى «يوغوسلافيا أخرى». خصوصاً وأن الشارع الأوكراني في حالة غليان وجاهز للمصادمة. احتمالات تخشى إدارة أوباما حدوثها وبما يضعها في مأزق كبير لا تريد الوصول إليه.

الخطوات الرمزية

لذلك هي تفضّل البقاء في دائرة الخطوات الرمزية والاستمرار في التحاور مع موسكو. لكن خطوات بوتين قد لا تساعده على البقاء في هذا المربّع. لكبح جماح سيّد الكرملين، تتعالى المطالبات لرفع سقف العقوبات بحيث تطال لفيف بوتين، مثل وزير الدفاع ومدير الاستخبارات ورئيس شركة «غازبروم»، فضلاً عن المصارف التي تجري تعاملات مع القرم الجديدة. ويحذّر أصحاب هذا التصعيد، المتواضع بكل حال، من أن استمرار التفرّج على إعادة ترسيم أوكرانيا ينطوي على خطرين: الأول تسهيل التحرك على بوتين وبما يحمله على «تكبير مخططه» بحيث يحمل بعض الجوار مثل مولدوفا. ثانياً وهذا الأخطر استراتيجياً، أن ترك موسكو تتمادى من دون كلفة عالية، تضييق اقتصادي ومالي وعزلة دولية مع دعم عسكري إذا ما لزم الأمر لأوكرانيا، من شانه تعزيز الصورة السائدة في العالم «عن تراجع وضعف أميركا» وليس رئيسها فقط. وفي ذلك استدعاء للمزيد من التحديات والمتاعب الدولية لواشنطن؛ على المديين القريب والبعيد.

وضعت أزمة أوكرانيا واشنطن في زاوية ضيقة. البلدوزر الروسي يجرف طريقه في بلدين، سوريا واوكرانيا، من غير اعتراض. الوقوف بوجهه باقل من قرار كبير، لا يجدي، كما كشفت التجربة. قرار بحجم التصدي للاجتياح السوفياتي لأفغانستان. لكن خطوة من هذا الوزن لا أثر لها على مكتب أوباما. في أقله حتى الآن. فهو يعمل في حدود احتواء نظيره لا أكثر.

تدريبات

ذكر مسؤول في قوات البحرية الأميركية اليوم أن المدمرة «تروكستون» بدأت امس تدريبات تستمر لمدة أربع وعشرين ساعة في البحر الأسود مع قوات البحرية البلغارية والرومانية. صوفيا-