عاش المشهد الأوكراني يوماً تاريخياً تداعى له العالم بسهر القلق وحمّى التوتّر، إذ فضّل ناخبو شبه جزيرة القرم وبنسبة 96.6 في المئة الاستقلال عن كييف والانضمام إلى روسيا، التي سارعت إلى الاعتراف بالإقليم، واتبعته سلطات الإقليم بإجراءات عملية محورها تفكيك وحدات الجيش وتأميم أملاك الدولة الأوكرانية، بينما أجبر الزلزال السياسي أوكرانيا على إعلان التعبئة وسط قواتها. وجاء رد الأوروبيين على مقترح الرئيس فلاديمير بوتين تشكيل «مجموعة دعم» دولية للوساطة في الأزمة قاسياً بعقوبات عبّرت عن السخط، أتبعتها واشنطن بأخرى.

وصوّت 96.6 في المئة من ناخبي شبه جزيرة القرم لخيار الانضمام إلى روسيا وفق ما أعلنت اللجنة المشرفة على الاستفتاء، مشيرة إلى أنّ هذه النتيجة بعد إحصاء كل بطاقات الاقتراع باستثناء مدينة سيفاستوبول. وأبان رئيس اللجنة ميخائيل ماليشيف، أنّ «النتيجة النهائية الرسمية أعلن عنها بعد الانتهاء من حصر أوراق الاقتراع في مدينة سيفاستوبول، حيث مقر الأسطول الروسي في البحر الأسود».

إعلان استقلال

وأعلن إقليم القرم رسمياً الاستقلال عن أوكرانيا، بعد تصويت 85 نائباً في البرلمان الذي تقدّم بطلب الانضمام إلى روسيا. وأشار بيان نشر على الإنترنت أنّ «البرلمان تقدّم بطلب لروسيا الاتحادية للاعتراف بالقرم ككيان جديد يحمل وضع الجمهورية».

ونقلت وكالات أنباء روسية عن المركز الصحفي للكرملين أن بوتين وقع أمس مرسوماً بالاعتراف بمنطقة القرم الأوكرانية دولة ذات سيادة.

تفكيك تأميم

وقبل أن ينزل نواب القرم الأيدي المؤيّدة، دشّن الرقليم الإجراءات العملية لفك الارتباط مع كييف، إذ باشر تفكيك وحدات الجيش الأوكراني. ونقلت وكالة «انترفاكس» الروسية عن رئيس البرلمان فلاديمير قنسطنطينوف قوله في مدينة سيمفروبول:«سنؤمّم بالطبع كل الوحدات في أراضي القرم». وفي ثاني إجراء أصدر الشطر المضطرب قراراً بتأميم كل أملاك الدولة الأوكرانية فيه، داعياً الأمم المتحدة وجميع دول العالم الاعتراف به دولة مستقلة. كما اتخذ البرلمان قراراً بتأميم الأسهم العائدة لشركات النفط والغاز الأوكرانية.

مهزلة كبرى

في المقابل، وفيما وصف الرئيس الانتقالي الأوكراني اولكسندر تورتشينوف الاستفتاء بـ «المهزلة الكبرى» التي لن تجد اعترافاً تحاول من خلاله موسكو التغطية على عدوانها، وأعلن وزير دفاعه ايغور تينيوخ أنّ القوات ستبقى في القرم. بدورها، أفادت وزارة الداخلية الأوكرانية أنّ «عناصرها سيطرت بشكل كامل على شبكة نقل وتوزيع الغاز ووضعتها تحت حراسة خاصة».

تعبئة قوات

وفي أول رد فعل جّدي، صادق البرلمان الأوكراني أمس على تعبئة جزئية للقوات العسكرية لمواجهة تدخّل روسيا في الشؤون الداخلية الأوكرانية، إذ وافق 275 نائباً على التعبئة التي طلبها الرئيس الانتقالي اولكسندر تورتشينوف نظراً لتفاقم الأوضاع في البلاد وتدخّل روسيا في الشأن الداخلي لأوكرانيا، وفيما لم يشارك 33 نائبا في التصويت لم يصوّت أي نائب ضد القرار. وكشف سكرتير مجلس الأمن القومي والدفاع للبرلمان أندري باروبي، عن أنّ «20 ألفا من جنود الاحتياط سينخرطون في صفوف القوات المسلحة وسينضم 20 الفاً آخرون إلى قوة الحرس الوطني». وأقرّ النواب أيضا منح 530 مليون يورو لضمان جاهزية القوات المسلّحة للقتال.

مجموعة دعم

في الأثناء، اقترحت روسيا تشكيل «مجموعة دعم» دولية للوساطة في الأزمة بأهداف أبرزها اعتراف أوكرانيا بنتيجة الاستفتاء. وردّا على الدعوات الغربية تشكيل «مجموعة اتصال»، شدّدت وزارة الخارجية الروسية في بيان على أنّ «مجموعة الدعم الدولية التي تقترحها ستحض على اعتراف أوكرانيا بنتيجة استفتاء شبه جزيرة القرم وتنفيذ بنود من اتفاق السلام الذي تمّ التوصل إليه في 21 فبراير»، مشيرة إلى أنّ «المجموعة ستحض كييف على صياغة دستور جديد يمنح سلطات موسّعة لمناطق البلاد ويطالبها التزام الحياد العسكري والسياسي».

خطاب بوتين

ومن المقرّر أن يدلي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ببيان اليوم حول انضمام شبه الجزيرة إلى بلاده. ونقلت وكالة الأنباء الروسية «إنترفاكس» عن نائب رئيس البرلمان إيفان ملينكوف قوله، إنّ بوتين دعا غرفتي البرلمان إلى خطاب مهم اليوم، مضيفاً أنّه «سيدلي بخطابه في قاعة جورج بقصر الكرملين الكبير». وفي شأن ذي صلة، رفضت موسكو عبر وزارة خارجيتها أمس تقييما لأحد مسؤولي الأمم المتحدة قال إنه لم يرصد أي انتهاكات لحقوق الناطقين بالروسية في أوكرانيا ووصفته بـ «المتحيّز».

عقوبات أوروبية

ولم يتردّد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في فرض عقوبات على روسيا خلال اجتماعهم في بروكسل أمس، إذ اتخذوا وبالإجماع قرارات بحرمان قائمة تضم 21 شخصية أوكرانية وروسية من دخول دول الاتحاد الأوروبي وتجميد أرصدتهم البنكية.

عقوبات أميركية

في السياق، فرض الرئيس الأميركي باراك أوباما عقوبات على مسؤولين روس كبار، في أعقاب تلويحه بما أسماها «تكاليف إضافية». وأوضح أوباما أنّه «لا يزال هناك مسار واضح لحل الأزمة دبلوماسياً، بطريقة تحترم مصالح روسيا والشعب الأوكراني»، لافتاً إلى أنّ كييف ما زالت تتخذ خطوات ملموسة تسمح لها بتخفيف تصعيد الأزمة»، فيما قال الناطق باسم البيت الأبيض جاي كارني إن إدارة أوباما لا تستبعد توقيع عقوبات على أي مسؤول روسي في المستقبل بسبب الأزمة الأوكرانية وذلك رداً على سؤال عما إذا كان بوتين نفسه قد يخضع لمثل هذه العقوبات.

استفتاء قانوني

من جهته، أكّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لنظيره الأميركي باراك أوباما، أنّ «الاستفتاء الذي جرى في القرم يتفق تماماً مع مبادئ القانون الدولي». ونقلت وسائل إعلام روسية عن الكرملين إعلانه عن اتصال أوباما ببوتين، الذي شدّد على أنّ «إجراء الاستفتاء في القرم يتفق تماماً مع مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وأخذ بعين الاعتبار سابقة كوسوفو»، مشدّداً على أنّ «جميع سكان القرم حصلوا على إمكانية التعبير عن إرادتهم بحرية».

بعثة مراقبين

بدوره، طالب وزير الخارجية الألماني فرانك - فالتر شتاينماير بإرسال فوري لبعثة مراقبين تابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا إلى أوكرانيا. وفي مستهل اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل أمس، قال شتاينماير إنّ «العقوبات المخطّط أن يتخذها الاتحاد الأوروبي ضد روسيا يتعين أن تكون مفهومة بشكل واضح في روسيا»، مؤكدا أهمية الحيلولة دون حدوث مزيد من التصعيد الذي قد يؤدي إلى انقسام أوروبا».

وأضاف شتاينماير: «أرى أنه من الضروري أيضا أن نرسل الآن وبسرعة بعثة مراقبين تابعين لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا»، موضحا أنّه يتعين إرسال هذه البعثة إلى مواقع ذات أهمية في شرق أوكرانيا وجنوبها للمراقبة بدقة ما إذا كانت روسيا لا تزال نشطة بصورة تتجاوز حدود القرم وتعمل على زعزعة استقرار أوكرانيا»، مضيفا أنّ تلك البعثة قد تحول دون حدوث ذلك.

 

القرم.. حلبة صراع بين روسيا والغرب

لم تأت نتائج الاستفتاء في شبه جزيرة القرم مخالفة لتوقعات أشارت إلى الغالبية الكاسحة من سكان الإقليم سيصوتون لصالح الانفصال عن أوكرانيا والانضمام إلى روسيا، على الرغم أن أوساطا اعتبرت أنّ النسبة المعلنة وهي تزيد على 96 في المائة مبالغ فيها.

وعكست ردود الفعل الأولى في روسيا شعوراً قوياً بأنّ موسكو خرجت من هذا الاستحقاق منتصرة بعدما أضاف الكرملين ورقة جديدة في مفاوضات يرجّح أن تكون طويلة مع الغرب حول مصير أوكرانيا، وستنعكس بالتأكيد على طبيعة العلاقات بين الطرفين.

صراع قوى

ويفتح إصرار موسكو على المضي في الاستفتاء حتى النهاية، على رغم اعتراضات قوية من جانب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة اللذان اعتبرا الاستفتاء غير شرعي وأعلنا سلفا عدم الاعتراف بالنتائج التي ستترتب عليه، على جولة جديدة من الصراع مع بروكسل وواشنطن تتعدى الحرب الإعلامية إلى استخدام سلاح العقوبات الاقتصادية والسياسية.

وفي ذات الوقت يمهّد لبحث حلول وسط تضمن مصالح الغرب وموسكو في آن، وتجنب العالم مخاطر العودة إلى أتون الحرب الباردة.

الاستفتاء أولاً

وفي آخر لقاء جمع وزيري خارجية روسيا سيرغي لافروف والولايات المتحدة جون كيري أعرب الأخير عن قناعة تشكّلت بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يرغب بمناقشة موضوع أوكرانيا إلّا بعد انتهاء استفتاء القرم، ما يعني أن أي حل توافقي يجب أن يراعي وضع القرم الاستراتيجي بالنسبة لروسيا، وفقط بعد ذلك يتم الانتقال إلى مناقشة وضع أوكرانيا كاملا.

وتتسلح موسكو بواقع جديد في القرم وتحركات كبيرة للروس والناطقين باللغة الروسية في جنوب وشرق أوكرانيا، لكن خبراء كثر يحذرون من أن انقسام أوكرانيا لا يصب في مصلحة روسيا وقد يثير مشاعر التوجس في بلدان الاتحاد السوفييتي السابق حيال السياسة الروسية واحتمالات تكرار سابقة التدخل المباشر في شؤون البلدان المجاورة تحت ذريعة حماية الأقلية الروسية المنتشرة في جميع بلدان الرابطة المستقلة ودول البلطيق. ولا يستبعد الباحث في مركز دراسات الرابطة المستقلة يفغيني مالاشينكو انتقال التململ إلى جمهوريات في داخل روسيا نفسها.

وعلى المدى القريب تطغى مخاوف من تحرك المتطرفين اليمنيين الأوكرانيين في داخل الأراضي الروسية خاصة أن مقاتلين من غرب أوكرانيا حاربوا سابقا ضد روسيا بين صفوف الانفصاليين في القوقاز. ويرى الخبير السياسي المعروف سيرغي كوراغانوف أنّه يجب النظر إلى الخطوات الروسية في الأسابيع الأخيرة على أنها سياسة القبضة الحديدية الساعية إلى تعويض الهزائم الجيوسياسية والمعنوية في العقود الأخيرة.

 

إقرار قانون

نقلت وكالة «انترفاكس» الروسية عن نائب رئيس مجلس النواب الروسي «الدوما» سيرجي نيفيروف قوله، إنّ «المجلس سيقر قانوناً يسمح لمنطقة القرم الواقعة بجنوب أوكرانيا الانضمام في المستقبل القريب جدّا». في السياق، قال نائب رئيس مجلس الاتحاد الروسي لتلفزيون روسيا 24 الياس أوماخانوف: «لا أعتقد أنّه سيكون هناك أي تأخير في نظر تلك المسائل سواء في الدوما أو مجلس الاتحاد، نحن على استعداد للموافقة على كل القرارات القانونية اللازمة في أسرع وقت ممكن».

 

حرب باردة

حذّر وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ من اندلاع حرب باردة جديدة بين أوروبا وروسيا يمكن أن تستمر سنوات طويلة. وقال هيغ للمحطة الإذاعية الرابعة بهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، إنّ «العالم اعتبر الاستفتاء غير قانوني وسيواصل جهوده الرامية للتوصل إلى تسوية دبلوماسية، رغم غياب أي مؤشر على رغبة موسكو في نزع فتيل الأزمة»، مشيراً إلى أنّ «روسيا ستواجه عقوبات جديدة لم يسبق لها مثيل بما في ذلك حظر السفر، وتجميد أصول بعض المسؤولين»، نافياً أن تكون عقوبات الاتحاد الأوروبي لا معنى لها. وأضاف هيغ أنّ «ضم شبه جزيرة القرم لا يمكن أن يكون وسيلة لإدارة الشؤون في القرن الحادي والعشرين بدلاً من التفاوض وسيادة القانون».