غرابة القصة أنها حدثت في بلد مثل أميركا، تدير حكومته مؤسسات دستورية في ظل حكم القانون. لكن الدهشة تزول عندما يتبيّن أنها ليست معزولة عن سياق من الشطط، والانفلات حكم، منذ سنوات، سلوك هذه المؤسسات التي اختل نظام عمل آلياتها. فأن تمارس وكالة الاستخبارات المركزية «سي.آي.إيه» التجسس على العالم، مسألة مألوفة ومعروفة ومن طبيعة وظيفتها، لكن أن تتجسس على مجلس الشيوخ في الكونغرس، وتخترق أنظمة حاسوبه لتلغي بعض معلوماتها، فذلك ليس غير مسبوق فقط، بل أيضاً مخالفة صارخة للقانون الذي يحظر عليها ممارسة أي عمل تجسسي على الإطلاق، في الداخل الأميركي. ويصبح هذا الانتهاك صادماً عندما يهبط إلى مستوى التلصّص المتبادل بين الوكالة وإحدى لجان المجلس، للاطلاع على الملفات ذات الشأن لدي الجانبين.
مشاهد تعذيب
بدأت القضية عام 2009، عندما تسرّب أن الوكالة «دمّرت» العديد من الفيديوهات لجولات التحقيق التي كانت تجريها مع عناصر مشتبه فيها لعلاقتها بالإرهاب، أيام الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش، لأنها كانت تحتوي على مشاهد تعذيب وأساليب خشنة في قسوتها، بحق المتهمين. باشرت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ تحقيقها في الموضوع. وضعت يدها على وثائق بحجم أكثر من 6 ملايين صفحة. من بينها تقرير لمدير الوكالة السابق بنتيجة تحقيقه في الموضوع الذي حمل تأكيدات بخصوص التعذيب والخشونة. اللجنة تقول إن الوكالة اخترقت برنامجها الحاسوبي، وسرقت منه التقرير، بغية تضليل التحقيق. الوكالة أنكرت في أول الأمر، وادّعت بأن اللجنة اطلعت على التقرير عن طريق التجسس على موقعها الإلكتروني، ثم زعمت أن سحب التقرير حصل على يد التقنيين بدون علم المسؤولين. وبعد الأخذ والرد والضغوط، أقرت أن سحب التقرير جرى بإيعاز من البيت الأبيض. علماً بأن الرئيس باراك أوباما تحدث مع بداية ولايته الأولى، عن ضرورة كشف ملابسات هذه الممارسة، والعمل على دفنها إلى غير رجعة. السناتور دايان فاينستاين، رئيسة اللجنة، فجّرت القصة أمس، بعد سنوات من الجرجرة وزرع العراقيل في طريق الوصول بالتحقيق إلى خواتمه المنشودة.
مناخات سائدة
عملية التجسس والسطو الإلكتروني من هذا العيار ما كانت لتحصل لولا المناخات السائدة التي استولدت الكثير من الانفلات المتنوع والخطر الذي شهدته واشنطن في العقد الأخير بشكل خاص. العسكري منه حرب العراق والمالي أزمة 2008 والسياسي. وهذا الأخير صار ميزة واشنطن. «النظام مكسور» عبارة كثيراً ما تتردد في واشنطن عند كل فضيحة من هذا النوع، أو كل أزمة، أو كل عقدة تؤدي إلى تعطيل عملية صنع القرار إلى حدّ بعيد، كما هو حاصل في السنوات الأخيرة. التشنج السياسي الزائد، بالأحرى انفلات اللعبة الديمقراطية من ضوابطها أدى إلى ضمور الإنتاج الحكومي، وإلى هبوط غير مسبوق في عملية التشريع. الكونغرس الحالي سجّل الرقم القياسي في قلّة إصدار القوانين، كما في تعطيل العمل الحكومي، والتهديد بعدم رفع سقف الاقتراض لتسديد التزامات الحكومة. كله لعرقلة أوباما وإفشال رئاسته. تقزّمت الحياة السياسية في أميركا. صارت إما رؤوساً حامية وبلا أفق، وإما شحّاً وجموداً وتردّداً. وفضيحة التجسس الداخلي هذه جاءت في هذا السياق الهابط بامتياز.
أوباما يتعهد رفع السرية عن تقرير استخباراتي
التزم الرئيس باراك اوباما رفع السرية عن تقرير حول تقنيات الاستجواب السابقة التي كانت تعتمدها وكالة الاستخبارات المركزية «سي.آي.ايه»، المتهمة بتفتيش اجهزة كمبيوتر يستخدمها محققون برلمانيون يعملون حول هذا الملف.
وصرح اوباما للصحافيين اول من امس: «التزم بالكامل رفع السرية عن هذا التقرير ما ان ينجز. في الواقع، اشجع (المحققين) على التقدم وانجاز التقرير وارساله الينا». واضاف: «سنرفع السرية عن مضمون التقرير ليتمكن الاميركيون من فهم ما حصل في الماضي، على ان يساعدنا ذلك في المضي قدما».
تدخل
واعتبر اوباما اول من امس ان مدير الوكالة جون برينان، وهو احد مستشاريه السابقين في البيت الابيض، اثار هذه القضية لدى «السلطات المعنية»، مضيفا: «ليس ملائما بالنسبة الي او بالنسبة الى البيت الابيض ان اتدخل في هذه المرحلة».
وتواجه «سي.آي.ايه» منذ الثلاثاء الماضي فضيحة سياسية في الولايات المتحدة بعد اتهامها بانتهاك الدستور عبر تفتيش اجهزة كمبيوتر يستخدمها محققون برلمانيون في قضية تتصل باليات الاستجواب السابقة التي كانت تنتهجها الوكالة.
واثارت هذه الاتهامات جدلا علنيا نادرا بين وكالة الاستخبارات والكونغرس. ونفى مدير الوكالة جون برينان السعي الى اعاقة هذا التحقيق الذي تجريه لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ ولكن من دون ان يعلق تفصيلا على الوقائع.
استطلاع وشعبية
من جهة اخرى، تراجعت نسبة تأييد أداء الرئيس الأميركي إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق وبلغت 41 في المئة.
وأظهر استطلاع للرأي أجرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، ومحطة «إن.بي سي.نيوز» تراجع نسبة تأييد أداء أوباما من 43 في المئة في يناير الماضي إلى 41 في فبراير.
وقال 54 في المئة من المستطلعين انهم يعارضون ما يقوم به الرئيس الأميركي. وتبين من الاستطلاع عدم رضا المستطلعين عن أداء كل المسؤولين المنتخبين في واشنطن، ونظرتهم بسلبية إلى الحزب الجمهوري.
وقال 35 في المئة من المشاركين في الاستطلاع انهم ينظرون بإيجابية إلى الحزب الجمهوري مقابل 45 نظرتهم سلبية.