أوكرانيا على طاولة التفكيك

مرة أخرى تخفق الحسابات الأميركية في فكّ الشيفرة الروسية. ومرة أخرى يتجاهل الرئيس فلاديمير بوتين التحذير الأميركي ولا يأبه به ويتحدّاه بعد أقل من 24 ساعة من صدوره، ليكشف محدودية قدرة واشنطن على ترجمة خيارات الردع التي تُلوّح بها.

هذه المرة، رسم بوتين الخط الأحمر في أوكرانيا ونقله إلى حيّز التنفيذ بسرعة خاطفة. باجتياح قواته لشبه جزيرة القرم، رمى الكرة من جديد في الملعب الغربي. خطوته الجزئية تنطوي على خطر تقسيم أوكرانيا بالتقسيط. احتمال يعزّزه واقع البلد المقسوم الولاء. فضلاً عن أن الغرب ليس بيده حيلة للتصدّي لقرار موسكو العسكري. مجلس الأمن معطّل بالفيتو الروسي. والخيار العسكري الأوروبي الأميركي غير وارد. بذلك تبدو الساحة خالية في الوقت الحالي، لسياسة الأمر الواقع التي يمارسها بوتين.

السؤال في واشنطن: كيف يمكن تدفيعه الثمن؟ لا جواب الآن. خاصة أن بوتين يعمل بحسابات الأمر الواقع على الأرض ولا يأبه كثيراً لغيرها.

ارتباك وإحراج

العاصمة الأميركية تلهث وراء التطورات بمزيج من الارتباك والإحراج والتوتر. نامت ليل الجمعة على تطمينات لافروف بأن العمل العسكري خارج الخيارات المطروحة. في نفس اللحظة، حسب التقارير اللاحقة، كانت القوات الروسية الخاصة تأخذ مواقعها بصورة مموهة، في شبه الجزيرة. على الأثر سارع الرئيس أوباما إلى إطلاق التحذير بنفسه في لقاء تم ترتيبه على عجل مع المراسلين. حرص على الابتعاد عن لغة الانذار أو التلويح بخطوات محدّدة. بقي في العموميات. التدخل «سيكون مكلفاً وغلطة خطيرة» كما قال.

كذلك باقي المسؤولين في الخارجية والبيت الأبيض، حيث لم يخرجوا عن حدود التلويح «بالعواقب». فكان واضحاً أن الإدارة تواجه حالة صعبة ليس بوسعها تغيير مجرياتها. كما تعرّضت لانتقادات من جانب الجمهوريين ولو أنهم لا يملكون البديل.

خطوات متسارعة

تفاجأت واشنطن بتسارع الخطوات الروسية في أوكرانيا. بعض المراقبين وضع سرعة الحسم في القرم بمثابة «فشل استخباراتي أميركي». خاصة أن بوتين صاحب سوابق من هذا النوع (في جورجيا)، ثم إن هذا التطور الفاصل يأتي في أعقاب الجولات التي كسبها بوتين في الملف السوري. تراكم بدت معه المعادلة مختلة لصالح سيّد الكرملين على حساب واشنطن، التي تبدو وكأنها «عاجزة» عن وقف اقتحامات بوتين.

كان السؤال: هل يحسم هذا الأخير عسكرياً في ضوء سوابقه؟ أمّا الآن فصار السؤال: إلى أي مدى سيصل اقتحامه؟

بداية

الترجيحات أن القرم هي البداية والقسم الشرقي من البلاد، يتبع عن طريق حمل غالبيته التي تتكلم اللغة الروسية، إلى طلب التدخل الروسي لحمايتها. موسكو تتعامل مع الأزمة من خلال خلق الوقائع على الأرض والانطلاق منها لترسيخها والبناء عليها. روسيا مسكونة بالهاجس الأمني، كما قال الدبلوماسي الأميركي الشهير جورج كانن أيام الحرب الباردة. توسيع حلف الناتو زاد من حدّة التوجس. وتمدّده في عهد جورج بوش الابن (كان غلطة كبيرة بحسب الأستاذ في جامعة برنستون ستيفن كوهن) زاد من حدّة التوجس. وجاء بوتين وعمل من ذلك سياسة.

أجواء الحرب الباردة

بداية التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا خضّت واشنطن. استحضرت أجواء الحرب الباردة كما لم يحصل منذ سقوط جدار برلين. رفعت درجة التوتر بين موسكو وواشنطن إلى درجة التنافر والاستنفار. بدا المشهد وكأنه فصل متأخر من الصراع على أهم ساحة من بقايا الإرث السوفييتي. لكن الأوراق الضاغطة حتى لا نقول المانعة، شحيحة بيد الغرب. لذا يدور تحرّكه في إطار تقليل الخسائر والإحراج.

الثمن الذي تحدث عنه أوباما، فاتورته ليست جاهزة. يلزمها وقت. هي مروحة من الخيارات التجارية وربما العقوبات والعزلة الدولية. لكن التطورات تجري بسرعة وتنشأ معها معطيات عنيدة على الأرض وبما يُعجّل بتمزيق أوكرانيا وينعكس سلباً على العديد من الملفات الدولية وبخاصة الشرق أوسطية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات