تجري إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، عملية تقييم لسياستها الشرق أوسطية، حيث صدر عن البيت الأبيض في الآونة الأخيرة، إشارات مباشرة وغير مباشرة؛ تفيد بأن رياح أزمات الشرق الأوسط لم تجرِ وفق ما تشتهيه توقعاتها.

وبدت مسحة من الخيبة والإحراج، واضحة في ردودها وتصريحاتها بهذا الخصوص مؤخراً، حيث مراهنتها على تحولات كما على ترتيبات دبلوماسية سعت إليها، لم تكن مثمرة ولا تبدو فرصها واعدة، الأمر الذي وضعها في موقف بات من الصعب مواصلة الدفاع عنه. ففي بعض الحالات، سارت على نحو مغاير للوجهة المرغوبة، أما في حالات اخرى فبات خيار المفاوضات التي نجحت في تركيب موائدها، مهدّداّ بالانسداد على أكثر من مسار.

ويزيد من الضيق أنها وظّفت في هذا السبيل الكثير من الرأسمال السياسي، المحلي والشرق أوسطي، ما تسبب لها بعضه بحدوث شروخ كبيرة مع حلفائها وأصدقائها في المنطقة.

وعلى هذه الخلفية، تحركت إدارة أوباما على خطّين: الأول تمثل بتعديل خطابها، حيث بدأ يرجح فيه التحفظ على التفاؤل، ما يؤشر إلى توجّه لديها لإعادة النظر في طموحاتها وتطلعاتها وربما حساباتها، بخصوص المسارات الثلاثة، السورية والفلسطينية والإيرانية. أما الخط الثاني، فتمثل في تجديد الاتصال مع المنطقة من خلال زيارات على أعلى المستويات، أبرزها زيارة العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني ولقائه مع الرئيس أوباما، وزيارة أوباما إلى المملكة العربية السعودية خلال الشهر المقبل، حيث تندرج هذه اللقاءات في خانة التوضيح والتطمين بشأن السياسات الأميركية التي أثارت الخشية.

كيري وطهران

ولم يكن من باب المصادفة أن تصدر الإشارات المباشرة وغير المباشرة في هذا المجال عن وزير الخارجية الأميركي جون كيري، حيث نسب إليه القول في مقابلة معه قبل أيام، بأنه بات يرجّح، كأوباما، صعوبة التوصل إلى تسوية مع طهران، وقال إنّ «الاحتمالات تسير باتجاه مضاد للتوصل إلى صفقة مع طهران»، لكنه في ذات الوقت خاطب إيران بلغة واعدة ولو مشروطة ليخفف من القلق العربي، عندما قال إنه «على الولايات المتحدة أن تحصر تركيزها الآن على التوصل إلى صفقة نووية، لكي نتجنّب المساومة حول مسائل إقليمية مثل سوريا».

وأضاف أنّه «إذا تكللت محادثات النووي بالنجاح، عندئذ يمكن الحديث لاحقاً عن إطار أمني مع إيران، فكلانا الرئيس وأنا، يعتقد أنه من الأهمية بمكان استكشاف إمكانية توفير المكوّن الأمني الإقليمي لمفهوم السلام الشامل في المنطقة والمتمثل بإيران». وتابع مشدداً على أن واشنطن «ليست في الوقت الراهن في صدد البحث عن هذا الاحتمال مع طهران، ولن نقوم بذلك إلاّ بعد حلّ النووي».

صفقة متكاملة

وكشف كيري في المقابلة حدود إعادة النظر في ما سبق وتردد حول وجود رغبة أميركية بعقد صفقة متكاملة نووية وأمنية مع طهران. الجديد فيها أن واشنطن تريد هذه العلاقة على مرحلتين. واحدة شرط للثانية. وفي ذلك ترغيب وتحذير لإيران. أما الفصل بين الشقين فهو موجّه للجانب العربي لتليين اعتراضه على التعامل الأميركي الأمني الإقليمي مع طهران.

ويأتي هذا التوضيح النظري على الأقل، عشية الزيارات واللقاءات العربية ـ الأميركية القريبة. وكأنه تمهيد لمحاولة رأب الصدع بين الطرفين. واكب ذلك ارتفاع منسوب الارتياب الأميركي بالنوايا الإيرانية، في ضوء ما صدر من تصريحات وخطوات إيرانية ولو انها قد تكون جاءت، حسب ما رأى البعض، رداً على رفض دعوة إيران للمشاركة في جنيف 2. أو كما يرى فريق آخر من متابعي الشأن الإيراني بأنها تعكس تنامي الصراع بين المتشددين وبين لفيف الرئيس روحاني.

تسليح

وعزز ما كشفته تقارير عن دور إيراني في تمرير وتسليح فصائل محسوبة على خط «القاعدة» إلى سوريا الشكوك بنوايا طهران. ثم جاء قرار إرسال قطع من البحرية الإيرانية إلى مقربة من المياه الإقليمية الأميركية ولأول مرة، ليزيد من درجة النفور، ولو أن الخطوة رمزية وربما «هي موجهة للرأي العام الإيراني»، بغية شدّ عصب التفافه حول النظام؛ حسب أحد التفسيرات الأميركية.

وكان لهذه الخطوة وقعها السلبي في واشنطن، خاصة في صفوف المحافظين المطاردين لسياسة «التساهل» التي يعتمدها أوباما تجاه إيران. كما كان لها تأثيرها في حمل الإدارة على فرض عقوبات على شركات أجنبية بتهمة أنها تتعامل مع إيران بما يتعارض مع العقوبات الأميركية المفروضة على طهران.

الأزمة السورية

الإشارة الثانية الصريحة التي صدرت عن كيري، كانت بخصوص التعاطي مع الأزمة في سوريا. فقد أسرّ للسيناتور جون ماكين وعدد من أعضاء الكونغرس، في طريق عودته من جنيف 2 بما يفيد بأن سياسة الإدارة في هذا المجال محكومة بالفشل.

ويتفق تقديره مع معظم التوقعات المبنية على نتائج الجولة الأولى، التي بدا معها وكأن المؤتمر تحوّل منذ البداية إلى عملية جرجرة لشراء الوقت. لاسيما وأن الوضع الميداني يسير باتجاه المزيد من الانسداد وليس الحلحلة. ومن هنا كان تحوّل التركيز الأميركي على الناحية الإنسانية المأساوية في سوريا.

هذا التوجّه يؤسس لخيارات عادت إلى التداول، بعد غيابها وراء غبار جنيف. فهناك حديث حول خيار دولي يتمثل في استصدار قرار من مجلس الأمن يقضي بتمرير المعونات الإنسانية لكافة المناطق السورية المحاصرة وليس لمدينة حمص فقط. مثل هذا القرار التي يصعب على العاصمة الروسية موسكو اعتراض سبيله، يمكن تحويله إلى مدخل تصعيدي، على غرار ما جرى للكيماوي. فرفض التجاوب مع مستلزماته يعطي المبرر للتهديد بقصف صاروخي ضد منشآت جوية سورية؛ «حتى لو سقط بالفيتو الروسي».

المفاوضات الفلسطينية ــ الإسرائيلية

الإشارة الثالثة كانت برسم المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية. وبدت كالرقص على حافة التراجع، حيث قال إنّ «الكل كان يعرف أن العملية تحتاج إلى وقت، ولهذا اردناها أن تتم على مراحل. فالمهم تعميم الشعور بأن هناك نهاية للنزاع ونهاية للمطالبات وان هناك في المقابل إطار يحتوي على كل هذه الأمور». علماً أن كيري روج لفترة التسعة أشهر التي تمّ تحديدها لإنجاز التسوية. وأشاع التفاؤل بإمكانية تحقيق ذلك خلال هذه المدة.

وعندما وجد نفسه أمام جدار التعجيز الإسرائيلي، بدأ يطرح فكرة تمديد الفترة. وبذلك سجّل اول تراجع له. ثم سجّل التراجع الثاني، بعد تحذيره إسرائيل من تنامي تيار المقاطعة الدولي ضدها ومسارعته إلى تبرئة نفسه على اثر الحملة الإسرائيلية عليه.

توضيحات

تعدّ الإدارة الأميركية لتسويق هذه التوضيحات في الأيام والأسابيع المقبلة، خاصة في خلال زيارة أوباما للسعودية الشهر المقبل.

ليس في الأفق احتمالات تغييرات انقلابية في السياسات الأميركية تجاه أزمات المنطقة. المقاربة هي نفسها. التكتيك قد يتبدّل لدواعي التفاوض والترويج. وقد تكون لهذه القمم وظيفة أميركية أخرى، كاستخدامها ورقة ضغط على إيران وسوريا.

 

سفراء لا يملكون خبرة

خرج الوسط الدبلوماسي الأميركي من دائرة الصمت ليشكو من العدد القياسي في التعيينات «السياسية» لسفراء لا يملكون اي خبرة، خصوصا من انصار الرئيس باراك اوباما، وهي ممارسة شائعة في الولايات المتحدة لكنها تعتبر حالة فريدة بين القوى العظمى.

فمنح مراكز مهمة في البعثات الدبلوماسية لشكر أصدقاء سياسيين ومساهمين في الحملات الانتخابية الرئاسية كان دوما امرا رائجا في خبايا دوائر الحكم في واشنطن. لكن ما يميز الإدارة الديمقراطية الحالية خصوصا سلسلة الأخطاء التي ارتكبها سفراء معينون اثناء جلسات الاستماع الى اقوالهم في مجلس الشيوخ وشكلت مادة دسمة لتهكم الصحافة. واشنطن ــ أ.ف.ب