تعد زيارة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند إلى الولايات المتحدة الأميركية حدثاً متشعّب الدلالات.

البداية كانت في الاستقبال العائلي من قبل الرئيس باراك أوباما وزوجته ميشيل للرئيس الأعزب، ثم المديح الذي تلقاه عن الدعم الفرنسي للثورة الأميركية.. فضلاً عن كونها الأولى من نوعها منذ نحو 20 سنة.

وبدا الرئيس أوباما مغتبطاً بقوله إنّه «كان من الصعب تخيله قبل عشر سنوات فقط» في تلميح إلى رفض فرنسا المشاركة بالتدخل في العراق في العام 2003. والموقف الأميركي الشعبي والرسمي، الذي حوّل فرنسا وكل رموزها، من الجبنة إلى الديك، إلى موضوع سخرية وهجاء مرّ. وكان ذلك واضحاً في الاستقبال غير الرسمي للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي من قبل الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن وهو يودع ولايته الثانية، حين تلقى بوش يومها من الصحافيين سيلاً من الأسئلة الساخرة حول طريقة استقباله لساركوزي، وعبارات المجاملة التي سوف يستقبله بها، إذا حمل معه هدية من الجبنة الفرنسية.

الغريب في هذه العلاقة الدافئة أنّ الحملة الانتخابية وبدايات عهد الرئيس هولاند (الاشتراكي) كانت تحمل بذور تنافر، لكن الأمور تغيّرت بشكل غير متوقّع مع وصول هولاند إلى الإليزيه.. ففي مقابل «الفراق» الذي كان يلوح في الأفق في الملف الأفغاني حيث كان الرئيس الفرنسي مع الانسحاب السريع من أفغانستان، كان هناك تعاون وثيق في العديد من الملفات، من مالي إلى سوريا إلى إيران.

ومع ذلك، فهناك الكثير من العمل الذي يتطلّب الشراكة بين الأميركيين والفرنسيين، في ظل بوادر انكفاء بريطاني عن لعب دور «السنّيد» للأميركيين. فهناك مكافحة الإرهاب التي شهدت شراكة بين الطرفين في مالي ومنطقة الصحراء، وهناك أزمات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كسوريا وليبيا، وهناك إفريقيا السوداء، القارة الكنز التي تشهد هجوماً شرساً من قبل الصينيين، ما يستدعي وقفة غربية لا يمكن أن تتحقّق من غير تفاهم أميركي فرنسي، باعتبار فرنسا سيد القارة السابق.

وربما من اللافت أنّ الزيارة تأتي في الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى التي أعادت تشكيل أوروبا قبل تقسيمها بشكل تام في أعقاب نتائج الحرب العالمية الثانية، التي جاءت بعد ربع قرن تقريباً على الأولى. ورغم الفاصل التاريخي الكبير بين اليوم وتلك الحرب إلاّ أنّ الانعكاسات واضحة، وسلط عليها أوباما الضوء عندما عاد إلى القرن الثامن عشر بالحديث عن الثورة الأميركية.. وبإعلانه النية لزيارة فرنسا في شهر يونيو في الذكرى الـ 70 لغزو نورماندي في الحرب الثانية.

فالعلاقات الأميركية الفرنسية أعقد وأعمق من أن تختزلها مرحلة، أو أن تؤثر عليها سحابة صيف، فعلى الرغم من الهوية الانكلوساكسونية الغالبة على الولايات المتحدة، إلا أن روح الثورة الفرنسية ستبقى ترفرف فوقها طالما بقي تمثال الحرية رافعاً شعلته.