الرئيس الأميركي باراك أوباما الخطيب البليغ كان أكثر بلاغة في خطابه السنوي عن حالة الاتحاد. الهموم المحلية كانت محور كلمته في هذه المناسبة الاحتفالية التقليدية. عادة يكون معظمها لتقديم جردة بإنجازات السنة الماضية. لكن حصاد العام الماضي شحيح. لذلك كان تركيزه على المتبقي من أجندته الداخلية وإصراره على وجوب تمريره خلال العام الجاري. فهو العام الأخير عملياً، لتحقيق ما وعد والتزم به من برامج وسياسات. بعده تدخل رئاسته في مرحلة العدّ العكسي للرحيل. الاستعداد لانتخابات الرئاسة في 2016، يصبح محور الاهتمام. الكونغرس ينأى عن التعاون معه. خاصة الجمهوريين غير المتعاونين أصلاً.

لذلك حازت هموم الشقّ المحلي على معظم كلمته الهجومية على غير عادة، التي استغرقت ساعة وخمس دقائق والتي لم تنل منها ملفات السياسة الخارجية وسيرة الحروب، سوى دقائق قليلة. مرّ مرور الكرام على «عملية السلام» التي يأمل أن تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية إلى جانب «الدولة اليهودية». كما ذكر مؤتمر «جنيف -2» بصورة عابرة، ليتوقف قليلاً عند الملف النووي الإيراني. لم يترك مجالاّ للشك بأن هذا الموضوع يحتل صدارة أولوياته الخارجية.

ذهب في خطابه إلى حدّ تهديد الكونغرس باستخدام الفيتو الرئاسي ضدّ أي قانون بفرض عقوبات جديدة على إيران خلال فترة الأشهر الستة المحدّدة للتفاوض في هذا الخصوص. مع أنه سبق وحذّره في هذا الخصوص. لكنه أراد التأكيد من على هذا المنبر وعلى مسمع عشرات ملايين الأميركيين الذين تابعوا كلمته المتلفزة، على الأهمية التي يعطيها لهذا الملف. فإدارته تتصرف وكأن النووي الإيراني سائر في طريقه نحو صيغة تقبلها واشنطن. أو ربما تكون طبخته متفق مسبقاً على خطوطها الرئيسية. كما أنها تتصرف وكأن الأمور تبدو واعدة على جبهتي جنيف ـ 2 والمفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية.

فهي تعد نفسها بتركة خماسية: طي صفحة حربي العراق وأفغانستان، مع الثلاثي الإيراني والسوري والفلسطيني ـ الإسرائيلي. لكنه نأى بنفسه عن الالتزام بشيء. خاصة في الموضوع الفلسطيني. ويقال إنه فعل كي لا يثير الكونغرس. خاصة خصومه المحافظين. لذلك لم يأت على سيرة «اتفاق الإطار المتوقع أن يفصح عنه وزير الخارجية الأميركي جون كيري في زيارته للمنطقة الأسبوع المقبل».

سيرة غائبة

اللافت أن سيرة العلاقات مع موسكو وبكين غابت عن الخطاب. مع أن الخلافات مع الاثنين ليست قليلة. بل متوترة مع الأولى. تجاهلها حرصاً على عدم التسبب بمفاقمتها، في لحظة تحتاج فيها واشنطن إلى تعاونهما خاصة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في الموضوعين الإيراني والسوري. كما ذكر هذا التعاون كي لا يفتح عليه أبواب الانتقاد في الكونغرس الذي تسوده أجواء ناقمة ضدّ الرئيس بوتين و«مشاكساته» في الشرق الأوسط فضلاً عن قضية الخبير الأميركي المنشق ادوارد سنودن.

نجح أوباما في تلميع صورته بعض الشيء. أوحى بالثقة والعزم. خاطب الأميركي العادي بلغة وبأمور تمسّ حياته اليومية. حظت كلمته بترحيب ما يزيد على 65 في المئة في صفوف الأميركيين، حسب الاستطلاعات التي أعقبت خطابه. بدا وكأنه استعاد قدراً من المبادرة. لاسيما وأن خصومه الجمهوريين منقسمون على أنفسهم ولا يطرحون غير العراقيل. لكنه تأخر ولو أنه قد يحقق بعض مشاريعه. التأخير والتردد طبعا رئاسته. وبشكل خاص في المجال الخارجي. وجد أن أزمته تكمن في كونه من مدرسة الحوار في عالم ملتبسة فيه لغة الحوار. لكنه يراهن على هذا الخط. خاصة في الشرق الأوسط.