فاجأت المواجهة الحالية بين رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والداعية الاسلامي فتح الله غولن المراقبين، التي تكشفت إلى الإعلام بعد فضيحة الفساد التي تغرق فيها حكومة أردوغان. وغالباً ما كانت تنعكس الخلافات إعلامياً على شكل تباين في المواقف حول قضايا سياسية وإعلامية قبل الوصول إلى هذه المرحلة التي يمكن التعبير عنها من الطرفين بمقولة: إما كل شيء أو لا شيء.
وسربت جماعة غولن وثيقة إلى وسائل الإعلام الشهر الماضي، تضمنت توصية من أردوغان لأعضاء حكومته حول قرب اتخاذه خطوة إغلاق المدارس التي تديرها جماعة غولن، وهي مدارس خاصة تعمل تحت رقابة وزارة التعليم.
تاريخ الوثيقة يعود إلى عام 2004، حينها كان أردوغان يواجه تحدي العلمانيين ومؤسسة الجيش.
وانتقدت جماعة فتح الله غولن عبر مؤسساتها الإعلامية، من أبرزها صحيفة «زمان»، المحاكمات التي جرت في تركيا لمخططي الانقلاب ضمن تنظيم «أرغنكون». أدرك غولن أن تحالفه مع أردوغان مصلحي مؤقت، يضمن استمراره فقط وجود خطر للجيش على الحكومة، وهو ما لم يتوفر لاحقاً بعد خضوع كافة المتورطين لمحاكمات وصدود مذكرات اعتقال بحق جميع المشتبه بتورطهم.
بعيداً عن افتراق المصالح، هناك أيضاً افتراق الطرفين بالمبادئ، ولعل أشهرها كانت معارضة فتح الله غولن إرسال أسطول الحرية لكسر الحصار عن قطاع غزة، ولم يندد بمقتل الأتراك على يد الإسرائيليين، بل وجّه حينها انتقادات لاذعة لمنظمي الحملة (أسطول الحرية) التي كانت مدعومة من الحكومة وتحديداً وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو. موقف غولن لم يكن مفاجئاً، فمع بروز الميول الإخوانية في الحكومة التركية وانعكاسها في السياسة الخارجية عبر أوغلو، اضطرت حركة غولن المعادية للنهج الإخواني إلى تمييز نفسها عن الحكومة في قضايا خارجية محددة، مثل أسطول الحرية. كما أنها تكنّ وداً علنياً لكل من إسرائيل والسياسة الأميركية، ولا تفضل الانفتاح التركي على العالم العربي.
ويتبنى غولن، المقيم في بنسلفانيا منذ 15 عاماً، موقفاً قريباً من الغرب تجاه إيران من خلال ميله إلى تأييد العقوبات بحقها، الأمر الذي يتعارض مع رغبة أردوغان في انتهاج سياسة مستقلة تجاه طهران والاستفادة اقتصادياً منها عبر بوابة الغاز والذهب.
وتتعلق فضائح الفساد الأخيرة بحق أبناء ثلاثة وزراء، بقضايا مالية لها علاقة بتعاملات مع إيران، وكل قيادات الشرطة الذين فتحوا هذه الملفات هم محسوبون على تيار غولن، لذلك عزلهم أردوغان وأحال العديد منهم إلى التحقيق.
لماذا قام أردوغان بإغلاق المدارس الخاصة؟. كان الهدف تحطيم أهم خدمة يقدمها غولن ويكسب من خلالها الشعبية ويتحكم بالأصوات الانتخابية. ورغم حرج التوقيت الذي يأتي قبل نحو ثلاثة شهور من الانتخابات البلدية المقبلة، إلا أن حسم المعركة في هذا الوقت سينقذ أردوغان من «الابتزاز» الذي قد يلقاه من حليفه السابق (غولن) الذي يريد عزل رئيس الاستخبارات هاكان فيدان الذي لا توده إسرائيل أيضاً، بل يخطط للإطاحة بأردوغان نفسه بحسب وسائل إعلام تركية.
وبالتوازي، أظهر استطلاع للرأي ان شعبية حزب العدالة والتنمية الحاكم تراجعت منذ تفجر فضيحة الفساد.
وكشف الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة «سونار» إحدى المؤسسات الرئيسية لاستطلاعات الرأي في تركيا أن نسبة تأييد الحزب بلغت 42.3 في المئة بانخفاض اثنين في المئة عن الاستطلاع السابق الذي أجرته في أغسطس، وهو ما يقل كثيرا عن نسبة 50 في المئة التي حصل عليها الحزب في انتخابات العام 2011. وحصل حزب الشعب الجمهوري وهو حزب المعارضة الرئيسي على 29.8 في المئة وهي أعلى نسبة يحصل عليها الحزب منذ يونيو 2011.
مواجهات اسطنبول
إلى ذلك، وقعت مواجهات عنيفة في اسطنبول بين الشرطة التركية ومئات الأشخاص الذين تجمعوا لإحياء ذكرى اغتيال ثلاث ناشطات كرديات قبل عام في باريس. وتجمع 500 الى 600 متظاهر كردي من بينهم عدد من النواب امام مدرسة غلطة سراي في اسطنبول وهتفوا: «نريد العدالة» من اجل الضحايا الثلاث، حيث ما زالت دوافع عمليات الاغتيال مجهولة الى حد كبير.
