للمرة الثانية خلال 24 ساعة كانت مدينة فولغاغراد عرضة لهجوم إرهاربي أوقع عشرات القتلى والجرحى. وأثار الهجومان الانتحاريان موجة رعب غير مسبوقة منذ سنوات، كما لقيا ردود فعل قوية وإدانات عالمية وعربية، وعلى رأسها دولة الإمارات، التي شجبت التفجيرات الإرهابية، وشدّدت على ضرورة تكاتف جهود المجتمع الدولي في مواجهة هذه الظاهرة والتصدي لها، مجددة موقف الدولة الثابت الرافض للإرهاب بمختلف أشكاله وصوره.
ووسط مخاوف من وقوع هجمات انتحارية جديدة، فرضت موسكو حال التأهب في مناطق جنوب روسيا.. في حين وقع الرئيس فلاديمير بوتين قانوناً يغلّظ العقوبات على ناشري الأفكار الانفصالية.
صدمة ثانية
ولم يكد الروس يستفيقون من صدمة الاعتداء الدموي الذي استهدف محطة قطارات فولغاغراد أول من أمس وخلف 17 قتيلا وعشرات الجرحى.. حتى جاء الهجوم الانتحاري الثاني في المدينة ليثير موجة رعب أعادت إلى الأذهان أحوالا مماثلة عاشتها روسيا في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي عندما انتشرت ظاهرة الهجمات الانتحارية على وسائل النقل العام والمباني السكنية.
وفور وقوع الاعتداء الثاني أمس الذي استهدف حافلة لنقل الركاب وخلف 15 قتيلا و23 جريحا بات واضحا ان الهجومين يحملان البصمات ذاتها وتم تنفيذهما وفقا لسيناريو واحد.
وبرغم حال الارتباك التي سيطرت لبعض الوقت على أجهزة الأمن والتحقيق وتجلت في اعلان معلومات متناقضة في البداية عن هوية منفذي الهجوم، لكن المعطيات التي تكشفت تباعا دلت إلى أن روسيا تواجه مخططا واسعا كانت جهات امنية حذرت منه مرارا خلال الشهور الأخيرة، ويهدف إلى زعزعة الوضع الأمني وبث حال من الرعب في البلاد.
وكانت اجهزة التحقيق اعلنت بعد تفجير محطة القطارات ان انتحارية داغستانية اسمها اكسانا اصلانوفا نفذت الهجوم وانها تدخل ضمن مجموعة من النساء اللاتي تطلق عليهن تسمية «الأرامل السود» وكانت واحدة منهن وهي صديقة أصلانوفا نفذت هجوما انتحاريا قبل شهرين في فولغاغراد نفسها استهدف حافلة ركاب، وأسفر عن مقتل سبعة اشخاص. وكثفت الأجهزة الأمنية البحث عن انتحاريتين من نفس المجموعة اختفت آثارهما في المنطقة.
فزع السكان
وزادت هذه الرواية من فزع السكان، لأنها رجحت وقوع اعتداءات جديدة يتم التحضير لها، ما دفع السلطات بعد عدة ساعات إلى التراجع عن الفرضية والحديث عن قيام انتحاري رجل بتنفيذ هجوم محطة القطارات، من دون تقديم ايضاحات حول المعلومات المنشورة في شأن خلية الانتحاريات. ومع وقوع الهجوم الثاني في وقت الذروة صباح أمس، واتضاح ان انتحاريا رجلا نفذه أيضا باستخدام حزام ناسف، بلغ حجمه نحو أربعة كيلوغرامات من مادة «تروتيل» الشديدة الانفجار، تعالت أصوات تنتقد أداء السلطات الأمنية، التي نشرت كلاما متناقضا، ولم تبد مستعدة لمواجهة حدث كان متوقعا.
الإمارات تدين..
إلى ذلك، توالت ردود الفعل الدولية والعربية على هذا العمل الإرهابي، وأبرزها الإمارات، التي دانت بشدة الحادث الإرهابي الذي وقع بمحطة قطار فولغاغراد.
وأوضح بيان لوزارة الخارجية أن الإمارات إذ تعرب عن شجبها واستنكارها الشديد لهذه التفجيرات الإرهابية، تنادي بضرورة تكاتف جهود المجتمع الدولي في مواجهة هذه الظاهرة والتصدي لها باعتبارها ظاهرة عالمية تهدد الأمن والاستقرار الدوليين.
وأعربت وزارة الخارجية عن خالص التعازي لأسر الضحايا وللحكومة والشعب الروسي، مجددة موقف الإمارات الثابت الرافض للإرهاب بمختلف أشكاله وصوره.
كما دانت كل من مصر وسوريا والبحرين هذين التفجيرين، ودعت إلى مواجهة دولية للإرهاب. وفي ردود الفعل العالمية، دانت كل من الأمم المتحدة وأمينها العام هذين الحادثين الإرهابيين، وطالب الأمين العام بجلب المسؤولين عن التفجير أمام العدالة، معبراً عن تضامنه مع روسيا في مواجهة «الإرهاب.
وأعرب مجلس الأمن عن إدانته الشديدة للتفجير، مجدداً التأكيد على ان «الإرهاب بكل أشكاله وتجلياته يشكل واحداً من أخطر التهديدات للسلام والأمن الدوليين، وان أية أفعال إرهاربية هي جرمية وغير مبررة، بغض النظر عن دوافعها ومكان وزمان وهوية مرتكبيها».
وعبرت كل من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا ومعظم الدول الأوروبية عن إدانتها للتفجير الذي استهدف مبنى محطة سكة حديدية في مدينة فولغاغراد في جنوب روسيا، معربة عن تضامنها مع الشعب الروسي في مواجهة «الإرهاب».
تجريم الأفكار الانفصالية
في غضون ذلك، وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على قانون يقضي بسجن من ينشر أفكاراً انفصالية لمدة تصل إلى خمس سنوات.
وأفادت وكالة الأنباء الروسية «نوفوستي»، أن بوتين وقع على قانون قدمه الحزب الشيوعي إلى مجلس الدوما الروسي، ويقتضي تجريم من ينشرون أفكاراً انفصالية تستهدف تكامل أراضي روسيا، وتغريمهم مبلغاً يصل إلى 300 ألف روبل (9200 دولار)، بالإضافة إلى السجن لمدة قد تصل إلى خمس سنوات.
من يقف وراء الهجمات؟
أثار تعرض مدينة فولغاغراد القريبة من منطقة القوقاز لسلسلة اعتداءات انتحارية أسئلة عدة حول أسباب استهداف هذه المدينة تحديداً، وطرحت أمس، مصادر أمنية فرضية أن تكون شبكة من الانتحاريين تمركزت فيها وان يكون المخطط الجاري تنفيذه هدفا لتنفيذ الهجمات في عمق الأراضي الروسية وليس داخل منطقة القوقاز من اجل بث مزيد من الرعب وتوجيه رسالة تحد قوية للكرملين والسلطات الأمنية التي اكدت اكثر من مرة في الشهور الأخيرة أنها مستعدة لمواجهة تهديدات الإرهاب في منطقة شمال القوقاز، لكن الأحداث الأخيرة جاءت لتكشف عن ثغرة امنية خطرة في عمق الاراضي الروسية.
وكان زعيم المجموعات الانفصالية المتشددة الناشطة في منطقة القوقاز دوكو اوماروف وجه رسائل واضحة قبل شهور بنيته شن سلسلة هجمات دموية قبيل انطلاق دورة الالعاب الشتوية في سوتشي.
تهديدات جدية
لكن التهديدات التي وصفت في حينها بأنها «جدية جداً» قوبلت بتطمينات أمنية بأن «الوضع تحت السيطرة» وبأن السلطات المختصة لن تسمح للإرهابيين بتعكير صفو التحضيرات للأولمبياد المقبلة ولا بزعزعة الموقف الأمني في البلاد.
وأشار خبراء أمنيون أمس، إلى أن الأحداث الدموية التي شهدتها فولغاغراد تعد مؤشرا على أن المجموعات الانفصالية مازالت قادرة على تجنيد انتحاريين وتأمين انتقالهم ووصولهم إلى مناطق غير متوقعة بالنسبة إلى السلطات المختصة.
تجدر الإشارة إلى أن هذا التصعيد جاء على خلفية استمرار النشاط الإرهابي داخل منطقة القوقاز وخصوصا في جمهورية داغستان المجاورة للشيشان والتي لا يكاد يمر يوم من دون الاعلان فيها عن تفجير يستهدف منشأة أمنية أو قافلة عسكرية. لكن اللافت أكثر أن غالبية الانتحاريات والانتحاريين الذين نفذوا هجمات تفجيرية خلال العام الأخير كانوا من داغستان ما يدل على أن هذه الجمهورية غدت بعد تشديد القبضة الأمنية وتفريق صفوف الانفصاليين في الشيشان مركز الإعداد والانتشار الأساس بالنسبة إلى المجموعات الانفصالية المتشددة.
انخراط الشابات
لكن الأخطر من ذلك بحسب خبراء بروز ظاهرة جديدة، وهي انخراط شابات وشبان من أبناء القومية الروسية في النشاط الإرهابي، وهذا ما دلت عليه سلسلة هجمات في 2013 وقف وراءها مواطنون من أصول روسية اعتنقوا الإسلام حديثا وخضعوا لفترات تدريب في معسكرات المتطرفين في منطقة القوقاز.
ويذكر الخبراء مثالين واضحين، إذ بينت التحقيقات أن نايدا ايسالوفا التي فجرت نفسها قبل شهرين في فولغاغراد كانت تعمل بتعاون وتحريض من زوجها الروسي الذي انضم إلى الانفصاليين حديثا وساعدهم في الإعداد لسلسلة اعتداءات تفجيرية كونه خبيرا في المتفجرات. أما منفذ هجوم محطة القطارات كما اتضح أمس، فهو مواطن روسي أيضا كانت عائلته تبحث عنه منذ شهور انقطعت أخباره خلالها لتظهر اشلاؤه في محطة القطارات بعد التفجير.
جماعات متطرفة
دعا رئيس جمهورية الشيشان الروسية رمضان قاديروف البرلمان الروسي الى حظر كل الجماعات المتطرفة في محاولة لمكافحة الإرهاب.
وقال قاديروف في بيان على موقع «انستغرام» لمشاركة الصور، الإلكترونية أدان فيه التفجير الذي وقع الاحد في محطة قطارات في مدينة فولغاغراد جنوب روسيا.
مرحلة صعبة
يحذر مسؤولون أمنيون من أن المرحلة المقبلة ستكون صعبة إذ تبدو روسيا مقبلة على معركة جديدة مع الانتحاريين رقعتها الجغرافية تتجاوز منطقة القوقاز، خصوصا مع اعلان معطيات عن وجود عدد غير محدد من الشابات والشبان الذين تلقوا تدريبات خاصة وباتوا مستعدين لتنفيذ هجمات. والأسوأ في الموضوع كما يقول البعض أن السلطات الأمنية لا تبدو مستعدة بما يكفي للمواجهة المقبلة. البيان
