خاص بـ"البيان"

مانديلا.. قائد وأيقونة وصديق

من بين جميع الزعماء الذين قابلتهم في حياتي، لم يترك أحد منهم انطباعاً أعمق مما فعله نيلسون مانديلا. فشجاعته، وتعاطفه، تواضعه وحكمته لم يوازيها شيء في الساحة الدولية، وهو نفسه كان مصدراً دائماً للإلهام. وفيما ينظر إليه بتقدير حق كبطل في النضال من أجل حرية الأعراق، فإنه يستحق كذلك الاعتراف بأنه بطل الحرية الاقتصادية، بإطلاقه بلاده وقارته على طريق النمو.

لقد فهم مانديلا بأن الانتقال الاجتماعي والاقتصادي يسيران بالتوازي. وكما شرح للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس العام 1999: «يجب علينا أن نضع آفة العنصرية جانباً. وهذا يتطلب مؤسسات اقتصادية قوية وثقافة تعاطف. ولا شيء من ذلك ممكن من دون اقتصاد قوي».

وفي 1990، حينما خرج من عقوبة سجن طالت مدته 27 عاماً، كان اقتصاد جنوب إفريقيا ضعيفاً. فاللطخة المسمومة لنظامٍ عنصري أدت إلى عقوبات دولية، تقييد التجارة والاستثمار، رقابة صارمة على الصرف الأجنبي، صناعات غير تنافسية، وكذلك تهميش كلي لقوى السود العاملة، ما انتهى إلى إعاقة قدرة البلاد على الدخول في حقبةٍ جديدة أكثر مساواة.

والقارة بأكملها كذلك كانت تكافح للوقوف على قدميها. وحينها، كانت الطبقة المتوسطة الإفريقية تزداد فقراً. ومن المفهوم اتباع مانديلا الحمائية حيث واجه تاريخاً مراً من التمييز. وفي الواقع، حينما حضر مؤتمر دافوس العام 1992، كان دافعه أن يشرح للحاضرين لم كان التأميم المقاربة الفضلى لجنوب إفريقيا. لكن بناء على ما تعلمه خلال اللقاء، فقد غير رأيه.

مانديلا نفسه شرح هذا التحول بطريقته الخاصة المرحة بإشارته إلى الوفود الاقتصادية الحاضرة في دافوس: «استمعوا إلي في العشاء بكل أدب، قبل أن يشرحوا بالتحديد ما الذي سيحصل لو طبقنا الخطط التي وضعناها في السجن. ذهبت إلى النوم أفكر بأني في وقتٍ كنت بعيداً عن العالم لمدة 27 عاماً، فإن الأمور تغيرت حقاً. لم يقل لي أحد إني كنت غبياً، لكني رأيت أنهم اعتقدوا أنني لست ذكياً جداً. صحوت اليوم التالي وأدركت أن التأميم سيكون سياسة خاطئة لبلادي».

لقد كان انفتاح مانديلا على التغيير سمة مميزة لقيادة مانديلا جعلته يبدو أكثر قوة. فبدلاً من بناء حواجز التأميم، غادر مانديلا دافوس بعدما مد يديه إلى العام للمساعدة إثر استدراكه لرؤية حزبه الاقتصادية لإفريقيا. وبعد عامين، أصبح أول رئيس أسود لجنوب إفريقيا ليقود نظاماً ديمقراطياً متعدد الأعراق..

وأضحى رمزاً للأمل في القارة، وهو الانتقال السياسي والاقتصادي الذي سيضع لاحقاً جنوب إفريقيا في مجموعة «بريكس» كقوة ناشئة. وبعدها، رفعت العقوبات وتدفقت الاستثمارات الخارجية المباشرة، في حين حررت الأسواق الزراعية واستعادت الشركات الجنوب إفريقية نشاطها. كما ازدادت نسبة السود والشباب والنساء في القوى العاملة في مرحلة ما بعد «الأبارتايد».

وفيما نال الاقتصاد زخماً، ونما الناتج المحلي بنسبة 68 في المئة بين 1993 و2008 طبقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ارتفع متوسط دخل الفرد في تلك الفترة بنسبة 36 في المئة. إن هذه الإحصائيات الثابتة تؤشر إلى حقيقة واضحة: تمكن العديد من الناس...

وللمرة الأولى، من فتح صنابير مياه متدفقة وإنارة الأضواء والذهاب إلى المدرسة. وحينما عاد مانديلا إلى دافوس العام 1999، اكتشف أن ثلاثة ملايين شخص حصلوا على مياه عذبة للشرب في الأعوام الخمسة الأولى للديمقراطية، بينما تقلصت نسبة المنازل التي لا تصلها الكهرباء من الثلثين إلى الثلث.

والرضا عن النفس لم يكن أبداً جزءًا من شخصية مانديلا، بل كان دائماً مدركاً للتحديات الهائلة في خلق اقتصاد مستدام وحيوي على خلفية الماضي المشروخ لجنوب إفريقيا. إن هذه التحديات ماثلة اليوم عبر عدة مشاكل اجتماعية تتراوح من عدم المساواة في الدخل إلى الجريمة والاضطرابات في مجال الصناعة. ومع ذلك، فإن الأمر يستحق أن نتذكر كم أتت جنوب إفريقيا من مسافات بعيدة من الأيام السوداء لنظام الفصل العنصري إلى وضعها كأكبر وأكثر اقتصاد منافس في قارة تدخل حقبةً واعدةً.

وبتحفيزٍ من خلال التحرر الاقتصادي، فإن منطقة الصحراء الإفريقية الآن، وطبقاً لصندوق النقد الدولي، تحتل المرتبة الثانية فقط بعد آسيا لجهة تصنيفها كأثر منطقة نمواً في العالم. إن هذا القفزة كانت من الصعب تخيلها لولا القيادة الملهمة لرجلٍ آمن بالانفتاح على العزلة. أتشرف بكون نيلسون مانديلا صديقاً حقيقياً للمنتدى الاقتصادي العالمي.

 

المؤسس والرئيس التنفيذي لمنتدى دافوس الاقتصادي العالمي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات