«ليست إلا خطوة أولى.. لكنها تعد اختراقاً مهماً»، وهي «اتفاق يصب في مصلحة كل الأطراف.. لا يوجد خاسرون هنا»، هكذا جاء أول التعليقات الروسية الرسمية على اتفاق جنيف «النووي بين طهران ومجموعة «خمسة زائد واحد» الدولية.
وبدا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرتاحاً وهو يتحدث إلى الصحافيين بعد مرور أقل من يوم واحد على توقيع «الاتفاق التاريخي».
وما غاب عن حديثه، قاله وزير الخارجية سيرغي لافروف بوضوح «ما تم في جنيف هو تجسيد لأفكار طرحها الرئيس الروسي منذ وقت طويل»، مضيفا إن «الاتفاق مع طهران يدفع مسار التسوية السياسية في سوريا».
لائحة إنجازات
وسارعت موسكو، إلى تسجيل اتفاق جنيف ضمن لائحة «إنجازات» الدبلوماسية الروسية خلال الفترة الأخيرة، إذ تمت إضافته إلى نجاح روسيا في «إحباط مخططات التدخل العسكري الغربي» في سوريا، ثم الاتفاق على التخلص من الترسانة الكيماوية السورية.
كما يدخل الاتفاق، بحسب موسكو، ضمن لائحة «انتصارات» أخرى، سجلت خارج منطقة الشرق الأوسط، على رأسها تراجع أوكرانيا بعد أخذ ورد استمر لسنوات عن توقيع وثائق تمهد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، واختيار نهج تعزيز التقارب مع موسكو.
تتويج جهود
بهذا المعنى، بدا المشهد من موسكو بعد توقيع الاتفاق النووي في جنيف، باعتباره تتويجاً للجهود الروسية على مدى سنوات، ونقطة انطلاق جديدة ترسخ أكثر حضور روسيا كلاعب أساسي في كل الملفات الإقليمية والدولية.
ولم ينتظر الكرملين طويلاً لترجمة هذا الاستخلاص على أرض الواقع، من خلال البناء على ما تم في جنيف لمواصلة العمل على أكثر من محور. فمن جانب جاء التأكيد الروسي بأن اتفاق جنيف «يعكس اعترافا دوليا كاملا بحق إيران في التخصيب النووي للأغراض السلمية»، ليثبت مقولة أن طهران بدأت في تجاوز مرحلة العقوبات والعزلة، لتحظى بالاعتراف الدولي كشريك إقليمي في تسوية أي من الملفات الساخنة.
فضاء أمني
وهذا ينعكس، بحسب خبراء روس، على ملفين رئيسيين. الأول هو الملف السوري والتحضيرات الجارية لعقد مؤتمر «جنيف2» مع إصرار موسكو على ضرورة مشاركة إيران في الحل.
والثاني، يتعلق بشكل وتركيبة النظام الإقليمي الجديد الذي سينجم على التطورات الساخنة في المنطقة. وبهذا المعنى، لا يستبعد خبراء أن تعمد موسكو إلى إحياء فكرة كانت طرحتها قبل سنوات حول تأسيس فضاء أمني مشترك في منطقة الخليج العربي، تكون إيران لاعباً رئيساً فيه.
سابقة تاريخية
وبحسب رئيس مجلس السياسة الخارجية والدفاع فيودر لوكيانوف، فإن أهم ما في الاتفاق أنه سجل للمرة الأولى في التاريخ السياسي المعاصر قاعدة تقوم على توجه المجتمع الدولي لتقليص عقوبات مفروضة على بلد بدلاً من ممارسة مزيد من الضغوط عليه.وهذا يعكس تبدلاً في طريقة تعامل الأسرة الدولية مع الملفات الإقليمية الشائكة، يتيح للبلد الذي واجه ضغوطاً كبرى أن يعود ليشغل مقعده في مجلس تسوية الأزمات بعدما كان طرفاً في أزمة منها.
قاعدة قانونية
وعلى صعيد الملف النووي ذاته، تعتبر موسكو أن هذا الإنجاز وفر قاعدة قانونية تحظى باعتراف دولي لاستكمال العمل على «احتضان» البرنامج النووي الإيراني، عبر مجموعة آليات اقترحتها موسكو سابقا، من بينها المساعدة في إنجاز دورة التخصيب النووي كاملة بإشراف دولي مباشر، لضمان عدم تحول البرنامج إلى المنحى العسكري.
وهذا الأمر يتيح لموسكو، التي تناقش مع طهران حاليا، بناء سلسلة مفاعلات ذرية جديدة، أن تكون الراعي الأساسي لـ«الصناعة النووية» في إيران لفترة طويلة، وربما في بلدان أخرى في المنطقة أيضاً.
غضب إسرائيلي
فيما يتعلق بالغضب الإسرائيلي من الاتفاق، فإن موسكو ترى أنه سيكون بمقدورها امتصاصه مع مرور الوقت، عبر تقديم ضمانات كاملة بأن «أمن إسرائيل سيكون خطاً أحمر»، وأن موسكو حريصة عليه تماماً.
وهذه كلمات سمعها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو عندما التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو الأسبوع الماضي. وأضاف عليها بوتين أن بلاده ترى أن الخيارات العسكرية لم تعد مطروحة في المنطقة، وأنه لا بديل عن الحلول السياسية للأزمات بشكل يضمن أمن كل الأطراف.
