بالنهاية كانت لإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما ما سعت إليه. بل ما كانت عازمة على تحقيقه بشكل أو بآخر. الاتفاق الذي تم التوصل إليه حول النووي الإيراني، كان حصيلة إصرارها على بلوغه. من دونه ما كان ليحصل. ولم يكن ذلك سراً في واشنطن. لذلك كان الاتفاق متوقعاً. لكن مع ذلك كان له وقع «الحدث التاريخي» بالنسبة لسائر الدوائر والأوساط الأميركية. من جهة هو نتاج أول اتصال وتعاون مباشر بين أميركا وإيران، بعد 34 سنة من القطيعة. ومن جهة أخرى لأنه يثير الكثير من الشكوك والمخاوف، بسبب ملابساته والصيغة الضبابية التي جاء بها فضلاً عن رخاوة صمامات الأمان المتروكة للاختبار خلال الأشهر الستة القادمة.

لا إجماع

من الأساس لم يكن هناك إجماع في واشنطن حول مثل هذه الصيغة. معظم الكونغرس كان في الخندق المعارض. في مصانع الرأي وأوساط أهل الخبرة من مسؤولين سابقين وباحثين، كان الحذر سيد الموقف. لا اعتراض من حيث المبدأ. لكن مع الارتياب بالنوايا الإيرانية. الإدارة نزلت مؤخراً بكل ثقلها لتسويق تسوية تحرّكت بشأنها وكأنها باتت شبه محسومة.

الآن بعد التوقيع تقاطعت كافة هذه المواقف عند ضرورة التعامل مع الأمر الواقع وإعطائه الفرصة. ليس هناك من يراهن على نجاح هذا الاختراق. خلفية العلاقات مع إيران ومسلسل التفاوض النووي لا يفسح المجال لذلك. التفاؤل حتى الحذر لدى المؤيدين بقي في حالة صمت. وإذ رحّب هؤلاء ضمناً بـ«الاختراق»، فلأنه يزيح خيار العمل العسكري وإن في الوقت الراهن؛ ويفتح الباب على الأقل، لوضع إيران تحت الاختبار.

القوى الأميركية المتخوفة، خاصة المحافظة منها، ترى في المخرج الذي تمّت هندسته في جنيف؛ «مكافأة» لإيران على ممارساتها السابقة، كما يقول رئيس لجنة شؤون الاستخبارات في مجلس النواب مايكل روجرز، في أول تعليق له. كان المطلوب، «المزيد من الضغوط» التي أثبتت نجاعتها وحملت طهران إلى طاولة المفاوضات، حسب ما قال زميله النائب الجمهوري آد رويس رئيس لجنة الشؤون الخارجية في المجلس.

مخاطر الصفقة

لكن هذه المآخذ التي تلخص موقف المعترضين في الكونغرس، صارت بعد التوقيع، غير ذي موضوع. الآن تدور المخاوف حول جوانب الصفقة وأبعادها واحتمالاتها وما يمكن أن تختزنه من مخاطر. أبرزها، أن يتحول هذا الاتفاق المؤقت إلى «جزء من الاتفاق النهائي» المنشود، كما يقول مدير وكالة الاستخبارات المركزية مايكل هايدن. أي أن تمضي فترة الأشهر الستة من دون الوصول إلى الصيغة النهائية، حيث إن إيران «قادرة على ممارسة لعبة الخداع» على ما قال النائب روجرز. وإذا حصل ذلك، يصبح التمديد عندئذ عملية يصعب رفضها. وبذلك تتحول الجولات إلى وسيلة جديدة لشراء الوقت.

السؤال الثاني الذي طرحه بعض المراقبين هو ما إذا كانت هذه البداية مدخلاً لـ«مبادلة» الحلفاء والأصدقاء في المنطقة؟ وطالما أشير هنا إلى مخاوف دول الخليج في هذا الخصوص.

ثالثاً، ثمة علامة استفهام كبيرة طرحها المحذرون وتتعلق بمسألة التخصيب. فالاتفاق في هذه النقطة زئبقي في أحسن أحواله. قيل أنه جرى تقليصه إلى تحت خمسة في المئة وأنه يمتنع على إيران تركيب أجهزة طرد جديدة ولا بناء منشآت إضافية له، مع الوعد بتحويل كمية اليورانيوم المخصب بدرجة 20 في المئة إلى استعمالات أخرى. لكن التخصيب ولو المتدني مستمر. وهذا موضع خشية كبيرة إلاّ إذا أحكمت الرقابة وكان التعاون الإيراني كاملاً في هذا المجال.

آليات محددة

واضح أن الاتفاق يقوم على آليات محدّدة ولمدة محدودة، لغاية التوصل إلى صيغة نهائية تضمن منع إيران من السلاح النووي كما تقول واشنطن. لكن الواضح والثابت أيضاً أن هذا الاتفاق متفق على بلوغه بين واشنطن وطهران، منذ ما قبل الجولة الأخيرة التي كانت لصياغة الإخراج على يد المخرج الأميركي الذي يراهن على وجود تبدّل في المقاربة الإيرانية للموضوع. مراهنة يبدي تجاهها حتى المؤيدون في واشنطن أقصى درجات الحذر.