أميركا كما رئيسها، اليوم.. هي في حالة «هبوط». ورئاسة باراك أوباما بحالة سقوط. ربما الفارق أن هبوط الأولى مظلّي بطيء، في حين أن رئاسة أوباما تتدحرج نزولاً ككرة الثلج. صارت إدارته مسربلة بالإخفاقات المتناسلة عن بعضها البعض، داخلياً وخارجياً في آن.
صحيح أن معظم المشاكل والتحديات التي يواجهها، ليست من صنعه، لكنه فاقمها. مقارباته سليمة، غير أن ترجمته لها تعيسة ومخيبة. وحتى البرامج والمبادرات والسياسات التي طرحها هو، أغرقها بالتسرّع والتقلّب والتراجع؛ ليخسر زمام المبادرة فيها. وبذلك باتت رئاسته تبدو وكأنها تحوّلت إلى محاولات استدراك وترقيع متخبّطة، أدّت إلى تآكل صدقيته والثقة به، وبالتالي زيادة خسائره وتعقيد مشكلاته.
آخر النماذج كان في مشروعه الكبير للرعاية الصحية. رغم أهميته كإنجاز متميز ارتبط باسمه وكحاجة أميركية ملحّة، إلاّ أنه حوّله، عشية التطبيق، إلى عبء عليه. قدّمه بصيغة مغلوطة، ليضطر إلى ابتلاعها بصورة محرجة. عنده مشكلة في التنفيذ، أدّت إلى انكشاف رئاسته؛ بحيث بدت معطوبة وعاجزة. أو هكذا هو الانطباع السائد الآن في واشنطن.
مشكلات خارجية
ولا يقتصر ذلك على الشؤون المحلية، بل ينسحب أيضاً على السياسة الخارجية. في ملف عملية السلام، تكتفي إدارة أوباما بحقن المسكّنات ورفع منسوب الآمال، من دون التزام ببلوغ حلّ الدولتين بنهاية فترة الشهور التسعة؛ التي تبدو أنها تحدّدت كعملية شراء وقت لا أكثر. حتى اللحظة وبرغم الاستفزازات الاستيطانية الإسرائيلية، لم تغادر واشنطن الخطاب الأميركي الموروث والمجوّف، الذي يكتفي بوصف المستوطنات بأنها غير مشروعة. لم يصل بعد إلى وصفها بأنها غير قانونية.. وآخر المفردات، أنها «تعيق» المفاوضات، كما قالت مستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي سوزان رايس في كلمتها مساء أول من أمس في مؤتمر مؤسسة الشرق الأوسط. بل في الأيام الأخيرة كادت الإدارة أن تضع الملامة كلها على الطرف الفلسطيني، لأنه تأفف من المماطلة الإسرائيلية والاستمرار في بناء المستوطنات. فليس أمامه، حسب هذا القاموس، إلا مواصلة الجلوس على الطاولة؛ التي تحولت جلساتها إلى «عملية نقاش» وتقطيع وقت، وليس تفاوض هادف، على ما يقول دبلوماسي مخضرم في واشنطن. مع ذلك تطمر واشنطن رأسها في الرمال.
الملف السوري
أماّ في الملف السوري، فقد طمرته من البداية. تعاملت مع الأزمة بأكثر من لسان. أعطت باستمرار إشارات متضاربة ومواقف متقلّبة، في خصوصه. ثمة من عزا ذلك إلى «عقدة العراق» والخشية من الوقوع في تورط مشابه. كما قيل إن إدارة أوباما نأت عن لعب دور حاسم في سوريا، لأن «البديل أخطر». أو على الأرجح أنها تعمّدت البقاء خارج دائرة الأزمة وابتلاع «الخط الأحمر» في اللحظة الأخيرة، كي لا يتسبب تدخلها بتخريب صفقة أكبر مع إيران، كانت تعدّ لها منذ سنوات عبر اتصالات سرية كشفها مؤخراً أحد التقارير الموثوقة. مهما كان وراء انكفائها، يبقى أن سياستها أفقدتها المبادرة التي صارت بيد موسكو لوحدها، سواء في ما يتعلق بصيغة عقد جنيف -2 المرتقب أم بنتائجه، كيفما جاءت.
النووي الإيراني
كذلك كانت الضبابية سمة موقف الإدارة في مفاوضات النووي الإيراني الأخيرة في جنيف. لا يختلف اثنان في واشنطن حول أنها «مستعجلة» على إنجاز تسوية مع طهران. التسوية من حيث المبدأ لا اعتراض لأحد عليها في واشنطن. بل هي مطلوبة. لا قابلية لدى الأميركيين لحرب أخرى في الشرق الأوسط. لكن ثمة خشية لدى دوائر أميركية موزونة، من العجلة. لاسيما وأن الإدارة تصرفت بما يعزّز هذا التخوف، الذي لا شك أن بعضه حصل بتأثير الحملة الإسرائيلية ضدّ الصيغة المطروحة. فحسب معلومات متداولة في واشنطن، أن الوزير كيري تولّى صياغة مسوّدة «الخطوة الأولى»، مع نظيره الإيراني. وعند اطلاع الآخرين عليها «كانت هناك تحفظات»، حصل التعبير عنها على لسان وزير خارجية فرنسا. على إثرها سارع وزير الخارجية جون كيري وأدخل مع المتحفظين تعديلات طفيفة عليها؛ ثم عرضها على الوزير جواد ظريف الذي اعترض بدوره على التعديل. وهنا انتهت الجولة من غير اتفاق. تصرف عزّز الشكوك بوجود نية لبلوغ تسوية سريعة. قد تكون سليمة ومحكم ضبطها. لكن مجرد خلق الانطباع بأن في الأمر عجلة مبطّنة، وضع الإدارة في موقع الدفاع. ولا يبدو أن هذا التوجه قد تغيّر. الوزير كيري يحرص على التشديد بما يفيد بأن مفاوضات جنيف بلغت نقطة لم يكن بينها وبين الاتفاق سوى فاصل شعرة.
كلام تمهيدي لجولة الأسبوع المقبل، التي يتردد كلام منسوب إلى جهات رسمية مفاده بأن الوفد الأميركي هذه المرة «يزمع البقاء في جنيف لغاية التوصل إلى صفقة».
لقد تعاملت إدارة أوباما مع كل هذه الملفات الداخلية والخارجية بسياسة الالتباس وتدوير الزوايا. عدم الوضوح يعود إلى رغبة لديها في ترك خط الرجعة، بل التراجع، مفتوحاً.
القفز من موقف إلى عكسه، أظهر عن فقر دم قيادي كبرت كلفته إلى حدّ بدأت تبدو معه وكأنها أصبحت معطوبة بدرجة قد لا يقوى أوباما على تصحيحها في ما تبقى له من وقت في البيت الأبيض.