وسط تفاعلات أزمة التجسّس التي لا تزال تقض مضاجع إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، لم تجد واشنطن بدّاً من الاعتراف أنّ أنشطتها ذهبت «أبعد مما ينبغي لها»، في اعتذارٍ غير مباشر، مشدّدة على أنّها مصمّمة على إجراء إعادة نظر في ممارسات استخباراتها، فيما انتقل غبار القضيّة إلى قارة آسيا هذه المرّة، عبر استدعاء جاكرتا سفير استراليا لاستيضاحه، بشأن تقارير تورّط سفارته في عمليات تجسّس، فيما أمر أوباما وكالة الأمن القومي وقف التنصّت على مقري صندوق النقد والبنك الدولي الدوليين.

وأقرّ وزير الخارجية الأميركي جون كيري بأنّ بعض أنشطة المراقبة ذهبت «بعيدا جداً»، في غمرة السجال الدائر بين واشنطن وبعض أقرب حلفائها، لا سيما في أوروبا حول أنشطة التجسّس لوكالة الأمن القومي الأميركية.
 

وقال كيري خلال مؤتمر في لندن، شارك فيه من واشنطن عبر الفيديو إنّه «في بعض الحالات أقرّ لكم، كما فعل الرئيس أوباما أنّ بعضاً من هذه التصرّفات ذهب بعيداً جداً، وسنحرص على ألّا يتكرّر هذا الأمر في المستقبل»، في أول إقرار من الإدارة الأميركية بحصول ممارسات تجسسّ خاطئة، بعد عشرة أيام على اندلاع السجال.
وخلال المؤتمر الذي حضره وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ استفاض كيري في شرح أنّ «ممارسات أجهزة الاستخبارات الأميركية والكمية الهائلة من المعطيات التي تجمعها، هي أمر لا غنى عنه في مكافحة الإرهاب ومنع وقوع هجمات محتملة».
 

وأردف: «رئيسنا مصمم على توضيح وإجراء عملية إعادة نظر في هذه الممارسات من أجل ألّا يشعر أي شخص بأنّه جرى خداعه». وأشار كيري إلى أن الكشف عن أنشطة التجسّس واسعة النطاق من جانب وكالة الأمن القومي الأميركية، عبر تسريبات للمتعاقد الحكومي السابق إدوارد سنودن «فاجأ الجميع»، مشدّداً على أنّ «المراقبة أفرزت معلومات، أدت إلى منع إسقاط الطائرات ونسف المباني واغتيال الأشخاص».
وفنّد كيري تقارير إخبارية تفيد أنّ نحو 70 مليون شخص، تم التنصت عليهم، قائلاً: «لا، لم يحدث هذا، هناك قدر هائل من المبالغة في هذه التغطية من جانب بعض الصحافيين».

استدعاء مبعوث

وفي انتقال لبوصلة أزمة التجسّس شرقاً، استدعت الحكومة الإندونيسية المبعوث الأسترالي في جاكرتا، أمس، على خلفية تقارير حول تورط سفارته في عمليات تجسّس، تقودها الولايات المتحدة.
 

واستجوبت وزارة الخارجية السفير جريج موريارتي على خلفية تقرير، أوردته صحيفة «سيدني مورنينج هيرالد» الأسترالية، يفيد أنّ السفارة في جاكرتا استخدمت لاعتراض مكالمات هاتفية واتصالات أخرى، ضمن شبكة التجسّس العالمية التي تقودها الولايات المتحدة.
 

وذكرت الوزارة قبل الاجتماع أنّ «مثل هذا النشاط، كما تردد، يتعارض مع روح علاقات الصداقة»، مضيفة أنّ «التجسس المزعوم أمر لا تقبله الحكومة الإندونيسية برمته».

أوامر وقف


في الشأن، قال مسؤول أميركي مطّلع إنّ «الرئيس أوباما أمر وكالة الأمن القومي بوقف التنصّت على مقري صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وذلك في إطار مراجعة لأنشطة جمع المعلومات الاستخباراتية».
وفي رد على استفسارات لوكالة «رويترز»، قال مسؤول كبير في إدارة أوباما، إنّ «الولايات المتحدة لا تقوم بمراقبة إلكترونية لمقري البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن».
 

ولم يفصح المسؤول في الإدارة عما إذا كانت وكالة الأمن القومي تنصّتت على المؤسستين في السابق، فيما امتنع صندوق النقد والبنك الدوليان عن التعقيب.

موقف روسي


وفي تعليق على الأزمة، شدّد رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف على أنّ الولايات المتحدة تواجه مهمة صعبة، تتعلق بمعالجة الضرر الذي تسبّبت فيه مزاعم عن قيامها بالتجسس على زعماء دول حليفة لها، مضيفاً: «ليس أمراً لطيفاً أن يتجسّس أحد عليك، لذلك فإنّ الزعماء غاضبون وأنا أتفهّم موقفهم»، ومشيراً إلى أنّ «التجسّس ليس أمراً مستغرباً، لكن يفترض ألّا يتم بمثل هذا الأسلوب النفعي».
 

وأضاف ميدفيديف في تصريحات لوكالة رويترز: «هل يمكن أن تهدأ الأوضاع؟ أعتقد أنّ ذلك ممكن لكن صراحة، فإن التطمينات لن تجدي في هذه الحالة، فما الذي يمكن قوله في مثل هذه الظروف؟ آسفون لن نفعلها مرة أخرى؟ أم لن نحاول التنصت عليكم؟ لا أحد سيصدق ذلك».