بدأت أوروبا أمس اتخاذ إجراءات وطرح مبادرات لمساءلة الولايات المتحدة حول ملف التجسس الذي تعرضت له معظم الدول الأوروبية بحسب وثائق كشف عنها العميل السابق في وكالة الأمن القومي الأميركي ادوارد سنودن.

حيث قررت اسبانيا استدعاء السفير الأميركي لديها لتطلب توضيحات عن عمليات تجسس على السلطات الاسبانية، فيما أطلقت فرنسا وألمانيا مبادرة لإجراء محادثات مع واشنطن قبل نهاية العام بهدف التوصل إلى تسوية لـ«إيجاد قواعد مشتركة» في مجال المخابرات، وإبعاد التعاون الاستخباراتي ضد الإرهاب من تداعيات ملف التجسس التي بررتها واشنطن بالقول إنها «تبقى مشروعة» رغم إثارتها للتوتر، فيما يزور وفد من المشرعين الأوروبيين الى واشنطن الاثنين المقبل للحصول على توضيحات من المسؤولين الأميركيين.

وقال رئيس الوزراء الاسباني ماريانو راخوي إنه سيستدعي السفير الأميركي في مدريد ليطلب منه توضيحات حول عمليات التنصت المفترضة على السلطات الاسبانية التي كشفت عنها الصحافة.

وقال راخوي في مؤتمر صحافي في بروكسل إثر قمة أوروبية: «لا نملك اي دليل على أن اسبانيا تعرضت للتجسس». وأضاف: «لكننا سنستدعي السفير الأميركي لنطلب منه معلومات حول هذه القضية».

وبحسب تسريبات صحيفة «ال باييس»، فإن وكالة الأمن القومي الأميركية تجسست على ما يبدو على العاملين وأعضاء الحكومة الاسبانية وبينهم رئيس الوزراء الاشتراكي خوسيه لويز رودريغيز ثاباتيرو.إلا أن راخوي لا يعتزم في «الوقت الراهن» الانضمام الى المبادرة الفرنسية الألمانية لطلب «توضيحات» من واشنطن حول عمل اجهزتها الاستخباراتية ووضع قواعد للمسألة.

وذكر بأن مدريد تبقى «شريكة وحليفة» للولايات المتحدة. ومساء أول من أمس، كشفت صحيفة الغارديان أن وكالة الأمن القومي الأميركية المتورطة في عمليات تنصت في فرنسا والبرازيل والمكسيك، تنصتت أيضاً على 35 مسؤولاً حول العالم.

مبادرة أوروبية

ورداً على ذلك، أعلنت باريس وبرلين إطلاق «مبادرة مشتركة» للتباحث مع الولايات المتحدة وإيجاد أرضية تفاهم بحلول نهاية العام حول قضايا التجسس. والباب مفتوح امام الدول الأعضاء الأخرى للانضمام الى هذه المبادرة. وأعلن رئيس المجلس الأوروبي هيرمان فان رومبي في بروكسل: «لنا علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة وموقفنا هو أن الشراكة يجب ان تقوم على الاحترام المتبادل والثقة».

وأضاف ان «فرنسا والمانيا تريدان إجراء اتصال ثنائي مع الولايات المتحدة من أجل التوصل الى تسوية قبل نهاية العام» حول نشاطات اجهزة المخابرات. ويجب ان يتوصلا الى «حل كي لا يتكرر أبداً هذا النوع من الحوادث».

وقال فان رومبي أيضاً ان القادة الأوروبيين «أشاروا الى اي حد أصبحت المخابرات عنصراً حيوياً في التصدي للإرهاب. هذا الأمر يطبق على العلاقات بين الدول الأوروبية وعلى العلاقات مع الولايات المتحدة». وأوضح ان «اي فقدان للثقة من شأنه ان يضر بالتعاون في مجال المخابرات».

ومن ناحيته قال ناطق باسم المفوضية الأوروبية هو اوليفيه تايلي في تغريدة على «تويتر» ان الفكرة الأوروبية هي اذن «ايجاد قواعد مشتركة في مجال المخابرات». وأوضح فان رومبي ان فرنسا والمانيا قدمتا هذه المبادرة وان «مجمل الدول الـ28 وافقت عليها»، مشيرا الى انه بإمكان دول اخرى ان «تنضم الى هذه المبادرة».

ويسافر وفد من المشرعين الأوروبيين الى واشنطن يوم الاثنين المقبل للحصول على اجابات من المسؤولين الأميركيين على مزاعم عن عمليات تجسس. ويضم الوفد الأوروبي تسعة اعضاء وسيلتقي مع كبار المسؤولين في الحكومة الاميركية والاستخبارات لبحث «التعويضات القانونية المحتملة لمواطنين اوروبيين» عن التجسس المزعوم وتعليق اتفاق لتبادل المعلومات بين الولايات المتحدة وأوروبا.

وفي برلين، كتبت صحيفة «سودويتشي تسايتونغ» ان عمليات التنصت التي يعتقد ان الاستخبارات الاميركية مارستها على الهاتف المحمول للمستشارة الألمانية انغيلا ميركل، تمت من سفارة الولايات المتحدة في برلين.

من جهة اخرى، ذكرت صحيفة واشنطن بوست ان واشنطن حذرت بعض اجهزة الاستخبارات الاجنبية من ان الوثائق التي حصل عليها سنودن تحتوي على تفاصيل حول طريقة تعاونها السري مع واشنطن.

أميركا وبريطانيا

في غضون ذلك، أقرت مستشارة للبيت الأبيض بأن برنامج المراقبة الاميركي اثار توترات «شديدة» مع بعض اقرب حلفاء الولايات المتحدة غير ان هذه النشاطات تبقى مشروعة على حد قولها. وقالت ليسا موناكو مستشارة الرئيس باراك اوباما للأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب في مقالة نشرتها صحيفة «يو اس ايه توداي»: «مع اننا نجمع النوع نفسه من المعلومات التي تجمعها جميع البلدان الأخرى، إلا أن أجهزة استخباراتنا تخضع لمزيد من القيود والمراقبة من اي بلد آخر في التاريخ».

وكتبت المستشارة ان «الرئيس امرنا بمراجعة طاقاتنا الاستخباراتية بما في ذلك تجاه شركائنا الأجانب»، مذكرة بأن الوسائل الاستخباراتية الاميركية «لا تضاهى»، إلا انها ليست: «خالية من القيود».

من جهة أخرى، اتهم رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون كلاً من إدوارد سنودن وصحافيا لم يذكره بالاسم بخدمة أعداء بريطانيا بمساعدتهم على تفادي مراقبة أجهزة المخابرات. وقال للصحافيين إن ما يفعله سنودن وما تفعله الصحف من مساعدته فيما يفعله يعطي بصراحة إشارة للذين يسعون لإيذائنا تبين لهم كيف يراوغون ويتجنبون المخابرات والمراقبة والأساليب الأخرى.