صارت عمليات حصد الأبرياء بالجملة وكأنها روتين في الحياة الأميركية. تكرارها تحوّل إلى محطات دورية، تفصلها عن بعضها مسافات زمنية قصيرة. ما أن يجف دم مجزرة حتى تقع واحدة أخرى، أفظع وأشرس بدمويتها.
ومثل كل مرة، تعود اسطوانة الأسئلة نفسها، ترافقها تعبيرات الدهشة والحيرة؛ من دون أن تخفف من أجواء القلق والرعب؛ بانتظار العملية القادمة. لتبقى 320 مليون قطعة سلاح يكدسها الأميركيون في بيوتهم، أدوات موت يومية تثير الكثير من الجدل مع كل مجزرة.
هذا المشهد كانت العاصمة واشنطن ساحته أمس، عندما تمكّن شاب من احتياطي قوات البحرية الدخول بسلاحه إلى أحد مراكز هذه القوات، وبدأ بإطلاق النار العشوائي على المحتشدين في كافيتريا القاعدة؛ ليحصد منهم 12 قبل أن يسقط برصاص قوات الأمن.
من المفترض أن المكان الذي يقع على بعد أميال قليلة شرقي مبنى الكونغرس، محصّن أمنياً. لكن الجاني اخترقه ببطاقة مرور تخوله الدخول إلى القاعدة. وزاد من المخاوف أن الجهات الأمنية كان تقديرها، في البداية، أن هناك هجوماً يشارك فيه على الأقل ثلاثة مسلحين. دبّ الذعر والذهول في المدينة التي سيطرت عليها أجواء القلق والخوف. خاصة وأنه جرى إقفال كافة طرق ومداخل منطقة القاعدة.
لكن الهواجس تراجعت نسبياً بعد استبعاد سيناريو الهجوم عندما ثبت أن العملية فردية، من نفس بضاعة القتل العشوائي الذي تكررت حوادثه بوتيرة عالية في السنوات الأخيرة. خاصة منذ 2007 ومجزرة جامعة فيرجينيا للتكنولوجيا وسقط فيها 32 طالباً، إلى مجزرة أطفال الحضانة العشرين العام الماضي وما بينهما من عمليات في دار للسينما كما في ثكنة عسكرية بولاية تكساس.
منذ ذلك الوقت كانت تقع حوادث يسقط فيها أربعة قتلى وما فوق، بمعدل مرة في الشهر؛ حسب الإحصاءات الأمنية. وفي كل تلك الحالات كان السلاح المستخدم من العيار الحربي المحتوي على مخازن تحمل خمسين طلقة نارية وما فوق. وهو بطبيعته سلاح عسكري يزيد عن مواصفات السلاح الفردي.
لكن في كل مرة ترتفع أصوات التحذير من خطورة هذا السلاح ووجوب منع بيعه للأفراد، يستنفر لوبي الأسلحة مفاتيحه في الكونغرس للحيلولة دون سنّ أي قانون يحظر ذلك. واللوبي الذي يملك ماكينة دعائية وانتخابية هائلة، يقوم بحملاته متسلحاً بنص دستوري يجيز حمل السلاح الذي كان له ما يبرره في الزمن الأول وزاعماً بأن السلاح ليس السبب في وقوع مثل هذه المجازر.
السبب أن القاتل هو إما مختل العقل وإما مجرم بطبيعته! والغريب أن الأميركيين ما زالوا يكدسون السلاح في بيوتهم - لديهم 300 مليون قطعة سلاح وزادت في العام الماضي بحوالي 20 مليون بزعم أنه حق »للدفاع عن النفس.
كما لمواجهة الدولة إذا حاولت الاعتداء على حرياتهم». في موضوع السلاح الفردي، ما زالت أميركا تعيش في الماضي. صحيح أن ثقافة العنف قديمة فيها. لكن نفوذ صناعة السلاح الفردي واللوبي الذي يمثلها، عملا على تأبيد هذه الثقافة وتحديثها وبما يتناقض مع مفهوم دولة القانون التي تتغنى بها أميركا ودورها كضامنة لأمن مواطنيها. تضارب من الطبيعي أن ينتج مثل هذا الجنون الدموي الدوري.
