انشغلت واشنطن في الأيام الأخيرة بقضية حساسة، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الحريات المدنية. الأولى فرضتها تحديات الحرب مع الإرهاب، الثانية كفلها الدستور. الفاصل بين الاثنين بالكاد شعرة. الدوائر الأمنية والمخابراتية تمارس رصد المكالمات الهاتفية ورسائل الإيميل المشتبه بها، خاصة الأجنبية. وطبعاً العربية والإسلامية على وجه أخص.

تقول إنها لا تتنصت. لا تطّلع على المضمون ولا على أسماء المتهاتفين أو المتراسلين. ترصد فقط مدة المكالمة وأرقام هواتف أصحابها. وحين تتوفر عناصر الاشتباه، يجري التقفي والمتابعة على أساس المعلومات المتوفرة لإحباط أية عمليات إرهابية تكون في مرحلة التخطيط النهائي.

الإدارة الأميركية تقول إن هذا التدبير قانوني واضطراري. الأوساط القانونية ومرجعيات الحقوق المدنية، تعترف بالاضطرار والمشروعية، لكنها باتت تخشى من الاستمرار بسرّية الإجراء. والأخطر، كما تقول، من تحوّله إلى قاعدة سارية تؤدي إلى قضم الحريات بذريعة الضرورات الأمنية. المسألة دقيقة، الموازنة بين طرفيها صعب.

خروج عن التوازن

ويبدو أن تسريب الموضوع وإعادة طرحه بهذه الحدّة، لم يحصل إلاّ لأن التطبيق خرج عن سكّة التوازن، لحساب الأمن على حساب الحريات. فكونه تجسس، بدرجة أو بأخرى، هو محكوم بدينامية دفع عملية التقصي إلى آخر حدودها. قطع الطريق على احتمالات الخطر، قد يستلزم توسيع حدود الصلاحيات الأمنية وتقليص مساحة الحقوق المدنية.

والأرجح هذا ما جرى. أو هذا ما هو مرجح حصوله. لا إدارة باراك أوباما في وارد التراجع عن هذه الصلاحيات، ولا هي قادرة على رسم الخط الفاصل مع الحريات وإعطاء الضمانات القاطعة بحمايتها في هذا الخصوص.

قانون باتريوت.

القصة مزمنة. تعود إلى ما بعد هجمات 2001، حين أقر الكونغرس بطلب من إدارة جورج بوش، قانون باتريوت الذي يجيز للدوائر الأمنية والمخابراتية الأميركية اتخاذ تدابير احترازية غير اعتيادية، للحيلولة دون وقوع عمليات إرهابية فوق الأراضي الأميركية.

منها مراقبة شبكات الإنترنت وما تحمله من مراسلات بين الداخل والخارج. وقيل إن رصدها ساعد عام 2009 في إحباط عملية تفجير مترو نيويورك.

ومنها أيضاً جواز مطالبة شركات الهاتف باطلاع هذه الجهات على المخابرات الهاتفية التي يعتقد أنها تتطلب الرصد. المراقبة بقيت إلى حدّ بعيد سرية. رهبة الهجمات الإرهابية غطّت عليها.

كما أن النص القانوني جاء بصيغة ضبابية متعمدة، بحيث لا يوحي بأن تطبيقه فيه خرق لخصوصيات المواطن، وفي ذات الوقت لا تقف هذه الخصوصيات كلياً في طريقه. ضمن هذا الإطار جرى وضع التسجيلات الهاتفية لملايين الأميركيين بتصرف الأجهزة الأمنية.

مراقبة سرية

«ليس للتنصت عليها ولا للاطلاع على مضمونها»، كما قال الرئيس أوباما وقبله بوش. فقط لإجراء «مراقبة» سرية عليها. لكن كيف تجري المراقبة من دون الاطلاع على المعلومات التي احتوتها التسجيلات؟.

بقيت هذه النقطة في الظلّ تحت تبرير الحاجة «لمنع تنفيذ عمليات إرهابية». وهو مبرر يقبله الأميركيون، الذين قيل لهم بأن الرصد يجري تحت رقابة الجهات المعنية في الكونغرس. وأحياناً يجري بإذن من المحكمة. لكن ذلك لم يقض على التوجس الذي رفعت التسريبات والسجالات الأخيرة من درجته.

نقاش وطني

كذلك فعل أوباما. والمأخذ عليه أكبر، لأنه سبق وتعهّد بإزالة كل تركة بوش الأمنية. ومنها هذا القانون شبه السري. لكنه أبقى عليه من دون أن يصارح بشأنه. والآن، بعدما تضخم أمره وانكشف، أقرّ بالحاجة إلى «نقاش وطني» مفتوح حوله.

سواء حصل نقاش حوله أم لا، قانون باتريوت باق. الكل موافق عليه كحاجة في الظروف الراهنة. المطالبات محصورة بضبطه. الدواعي الأمنية تعطيها واشنطن الأولوية. الحريات تخضع لمتطلباتها. خاصة حريات المشكوك في أمرهم.

واشنطن تعتزم ملاحقة فاضح برنامج «بريزم التجسّسي»

اختفى أثر مسرب المعلومات عن برنامج بريزم الأميركي لمراقبة الاتصالات على الإنترنت إدوارد سنودن، في الوقت الذي طالب فيه أعضاء في الكونغرس الأميركي بترحيله من هونغ كونغ، بينما طالب نواب روس بارزون سلطات بلدهم بمنحه اللجوء السياسي، لكن الرئاسة لم تعط رأياً واضحاً.

وغادر سنودن (29 عاما)، خبير المعلوماتية الذي كان يعمل لحساب شركة خاصة متعاقدة مع وكالة الأمن القومي الأميركي فندقه في هونغ كونغ بعد أن كشف عن هويته لصحيفة «ذي غادريان» البريطانية الأحد.

وتحول سنودن في لحظة إلى بطل في أعين المدافعين عن الشفافية والحريات الفردية في مختلف أنحاء العالم عندما كشف قيام وكالة الأمن القومي الأميركي بمراقبة مستخدمين للإنترنت بالإضافة إلى اتصالاتهم الهاتفية في العالم عبر برنامج تجسس يعرف باسم بريزم.

لكن يبدو أن الولايات المتحدة بدأت تستعد للتحرك ضده، إذ اعتبر مسؤولون كبار في الكونغرس الاثنين أن عمله يرقى إلى الخيانة، وشددوا على ضرورة ترحيله من هونغ كونغ بأسرع وقت.

ورفضت السيناتور الديمقراطية عن ولاية كاليفورنيا ديان فاينستاين رئيسة لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الدخول في التفاصيل، لكنها قالت ان السلطات الأميركية تتعقب سنودن.

وصرحت فاينستاين أمام وسائل الإعلام بأنّ «كل الهيئات تتحرك بشكل حازم»، واعتبرت أن ما قام به سنودن يعتبر «خيانة».

وفيما رفض البيت الأبيض التعليق على المسألة مبرراً ذلك بالتحقيق الجاري، قال الناطق باسم الرئيس الروسى فلادمير بوتين إنه إذا تقدم سنودن بطلب للجوء فـ «ستتم دراسته». vوكان نواب روس بارزون صرّحوا أمس بأنه على روسيا منح سنودن حق اللجوء السياسي.

 وقال رئيس لجنة السياسة الخارجية في مجلس النواب الروسي (الدوما) أليكسى بوشكوف إن وكالة  الاستخبارات الأميركية (سي.آي.إيه) انتهكت القانون بالتنصت على الهواتف ومراقبة شبكة الإنترنت.

وكتب بوشكوف أنّ «سنودن ناشط حقوقي مثل آسانج»، في إشارة إلى مؤسس موقع ويكيلكيس جوليان آسانج.

وكان النائب الروسي روبرت شيليغيل قال أيضاً لصحيفة «كوميرسانت» إن إعطاء سنودن «حق اللجوء السياسي خطوة صحيحة».

استئناف مراقبة

أكد وزير الدفاع الكندي بيتر ماكاي أنه سمح منذ العام 2011 لجهاز استخبارات الإشارة بمراقبة اتصالات دولية معينة وفحص بيانات خاصة بالهواتف والإنترنت.

تسريب معلومات عن PRISM يثير تساؤلات بشأن الحوسبة السحابية