كلما تسلّطت الأضواء الأميركية على مظاهرات تخللتها صدامات في الشرق الأوسط، تحضر صورة «الربيع العربي» إلى الأذهان في واشنطن، خاصة إذا كبرت هذه التحركات وتواصلت وتمدّدت، وبالأخص إذا تحوّلت إلى موجة اعتراض على صاحب القرار.

ينطبق ذلك على ما شهدته مدينة اسطنبول مؤخرا، ولو على سبيل التشبيه المقرون بخشية مبطّنة من أن تكون تركيا قد دخلت موسم الانتفاضات المرابض على حدودها.

طبعاً الظروف والأوضاع في البلدان التي اكتسحتها رياح التغيير في المنطقة، مختلفة إلى حدّ بعيد عما هي عليه في تركيا، لاسيما لناحية التركيبات السياسية وآلياتها. لكن هناك نقاط تشابه بارزة.

لغة رفض

فالتظاهرات بدأت بشرارة سرعان ما تحولت إلى نار غاضبة ضدّ وضع أبعد من السبب البسيط الذي أشعلها، صارت أكبر من قضية تحويل ساحة إلى مجمع تجاري، تحوّلت إلى لغة رفض واستياء ضد قمة الحكم المتهم بالاستئثار والتفرد في رسم السياسات وأخذ القرارات، وهي لغة متقاربة إن لم تكن ذاتها، مع الشعارات التي رفعت في تلك البلدان.

أساليب متشابهة

ومن أوجه الشبه الأخرى، انضمام فئات أخرى كالنقابات، إلى الموجة وانتقالها إلى مناطق أخرى. كل هذه العناصر المتشابهة، حملت دوائر كثيرة على عدم استبعاد «خطر انزلاق تركيا إلى دوّامة من العنف الذي قد يهدّد تجربتها»، على ما يرى أحد المحللين. لاسيما وأن رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان تعامل مع الأحداث بالأسلوب الأمني وبلغة التجاهل والتهميش، مستخدماً في رده نفس المفردات التي سبق واستخدمتها زعامات عربية أطاح بها الإعصار أو يكاد.

لجوؤه مثلها إلى رمي منتقديه بعبارات التخوين والتحقير وتصنيفهم في خندق المتطرفين، جعلته يبدو في نظر دوائر أميركية كثيرة، خاصة في الإعلام وأوساط المعلقين والباحثين في مراكز الدراسات؛ وكأنه متعال وسلطوي مستأثر.

تفرّد بالسلطة

مفرداته بدت وكأنها منسوخة عن الخطاب الذي جرى التعامل به مع «الربيع العربي». والمعروف أن مثل هذا الانطباع عنه سائد ليس فقط لدى أهل الرأي والتحليل، بل أيضا في صفوف المسؤولين، خاصة في وزارة الخارجية الأميركية.

وانعكس ذلك ولو بصورة مبطّنة، في الردود الرسمية على طريقة تعاطيه مع المظاهرات، والتي جاءت قريبة من إدانة العنف مع مطالبة وزير الخارجية جون كيري بوجوب فتح تحقيق في الموضوع.

ولم تخف هذه الأوساط، خلال زيارته الأخيرة لواشنطن كما خلال الأحداث، انتقاداتها «لتفرده» في القرارات ولمحاولاته استصدار دستور جديد يخدم تطلعاته، بحيث يتحول معه النظام البرلماني في تركيا إلى نظام رئاسي يعطي الرئيس صلاحيات واسعة تكون بانتظاره العام القادم حيث ينوي الترشيح لهذا المنصب.

وهذه التوجهات ليست خافية على الرأي العام التركي، الذي يقال إنه «طفح الكيل» معه من «أسلوب اردوغان في الحكم والإجراءات المناهضة للفئات العلمانية وحتى تدخله في فرض ومنع ما يتصل بحياة الناس الاجتماعية».

نفور أميركي

مثل هذه التوجهات ساهمت بخلق حالة نفور أميركي من أردوغان، يخشى البعض من أن تتطور إلى «ربيع تركي» ما. واعتراض إدارة اوباما على ما سمّته «العنف المفرط»، ينطوي في حقيقته على قلق من أن يستمر ركوب الرأس في مواجهة حالة تختزن من احتمالات التفجير أو في أقله انتشار العنف ما يكفي؛ في ضوء المنحى الذي أخذته حتى الآن.

وهي احتمالات يصفها المراقبون بأنها «أزمة سياسية خطيرة»، على خلفية الاحتقانات التي راكمها العقد الماضي من الزمن؛ ولو أن وضع رئيس الحكومة ما زال قوياً، خاصة في ضوء ضعف المعارضة وافتقار الحراك الشعبي ضدّه إلى قيادة جامعة وهادفة.