لم يزل ضرام نيران الاحتجاجات التي تجتاح تركيا مشتعلاً، وإن مالت الشوارع إلى الهدوء النسبي، إلّا أنّ التظاهر استمر منتقلاً إلى مدن أخرى.. ففيما احتل مئات المتظاهرين أمس ميدان تقسيم في اسطنبول الذي انسحبت منه الشرطة بعد يومين داميين، أشعل محتجون النار واشتبكوا مع السلطات في مدينتي اسطنبول والعاصمة أنقرة، بينما أطلقت قوات الشرطة الغاز المسيّل للدموع لمنع رماة حجارة قرب مكتب رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان.

وفور انسحاب الشرطة من ميدان تقسيم، مركز الاحتجاجات منذ يوم الجمعة، احتلّ الميدان مئات المتظاهرين، فيما استمرت الاحتجاجات الهاتفة ضد حكومة حزب العدالة والتنمية والمندّدة بسياسات الحكومة التركية وطريقة معالجتها ملف الميدان في اسطنبول لتمتد إلى أنقرة، إذ أشعل مئات المحتجين نيراناً في منطقة تونالي في العاصمة أنقرة، في حين أطلقت شرطة مكافحة الشغب الغاز المسيل للدموع ومسحوق الفلفل لصد مجموعات من الشبان من رماة الأحجار قرب مكتب رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان في اسطنبول.

وأشعل متظاهرون النار في الهواء الطلق بين سيارات مقلوبة وزجاج مهشّم وحجارة ملقاة، ووقعت عمليات كر وفرّ في الشوارع الجانبية بينهم وبين شرطة مكافحة الشغب التي كانت تطلق الغازات المسيّلة للدموع بين الحين والآخر.

نداءات احتواء

من جهتها، حضّت منظمة العفو الدولية السلطات في تركيا على اتخاذ خطوات عاجلة لمنع سقوط المزيد من القتلى والجرحى والسماح للمتظاهرين بممارسة حقوقهم الأساسية، وذلك بعد تقارير عن مقتل شخصين على الأقل وجرح أكثر من ألف متظاهر في اسطنبول.

وقالت المنظمة إنّ «استخدام الشرطة للقوة المفرطة قد يكون أمراً روتينيا في تركيا، إلّا أنّ التعامل بقوة مبالغ فيها مع احتجاجات سلمية بصورة كاملة في ميدان تقسيم كان حقاً «مشيناً».

وأبان مدير المنظمة في أوروبا جون دالهوسين، أنّ «هذا أشعل الوضع في شوارع اسطنبول، حيث أصيب العشرات».

ولفتت المنظّمة إلى تلقّيها معلومات عن أن المحتجين المصابين في المعتقلات وفي الشوارع منعوا من الحصول على الرعاية الطبية اللازمة. وانتقدت المنظّمة عدم قيام السلطات بإبداء ما يشير إلى اتخاذها الخطوات المطلوبة لضمان أمن المتظاهرين والمواطنين بصورة عامة رغم تزايد الأزمة.

79 + 939

أعلن وزير الداخلية التركي معمر غولر أنّ الصدامات العنيفة التي دارت يومي الجمعة والسبت الماضيين بين متظاهرين غاضبين وقوات الشرطة التركية في العاصمة اسطنبول والعديد من المدن التركية الأخرى أسفرت عن سقوط ما لا يقل عن 79 جريحاً، هم 53 مدنياً و26 شرطياً، فضلاً عن اعتقال 939.

وقال الوزير إنّ الموقوفين الـ 939 اعتقلتهم الشرطة خلال أكثر من 90 تظاهرة جرت يومي الجمعة والسبت الماضيين في 48 مدينة في سائر أنحاء البلاد.

دعم نمساوي

تظاهر قرابة 1800 شخص مساء أول من أمس في فيينا ضد حكومة رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان ودعماً للمتظاهرين في اسطنبول. ورفع المتظاهرون من سكان فيينا أعلاماً تركية ولافتات كتب على إحداها «اصمدي يا حديقة جيزي، فيينا تقف إلى جانبك»، و«اسطنبول لست وحيدة»، بينما كانوا يسيرون في وسط العاصمة النمساوية. ودعا آخرون إلى وقف عنف الشرطة، واصفين رئيس الوزراء التركي بـ «أردوغان القاتل». وانتهت التظاهرة بهدوء، كما أعلنت الشرطة في فيينا.

دعوات تهدئة

دعا وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس أمس السلطات التركية إلى التحلّي بضبط النفس حيال المتظاهرين. وقال فابيوس في برنامج يقام بالشراكة بين «اوروبا 1/اي-تيلي/ لورباريزيان»، إنّ «موقف فرنسا هو طلب التحلي بضبط النفس والذهاب نحو التهدئة»، موضحاً أنّ «طلب ضبط النفس موجه إلى السلطات التركية، معرباً عن أمله في قيام الحكومة بتحليل أسباب الاحتجاجات. ورفض فابيوس رفض فكرة «ربيع تركي» بالتشابه مع الربيع العربي، مضيفاً: «أذكّر بأننا نتعامل مع حكومة انتخبت ديموقراطياً».

دعوات سورية

دعت السلطات السورية رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان للرحيل إلى العاصمة القطرية الدوحة واحترام إرادة شعبه. وقال وزير الإعلام في سوريا عمران الزعبي أمس إنّه يتوجب على رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان احترام إرادة شعبه ومغادرة البلاد إلى الدوحة التي قد تستضيفه، معتبراً أنه لا مبرر للحكومة التركية لاعتقال متظاهرين سلميين، على حد تعبيره. ونقل التلفزيون السوري عن الزعبي قوله، إنّ «استخدام العنف المفرط ليس صحيحاً، والمتظاهرون ليسوا إرهابيين».

مطالب معارضة

طالب زعيم المعارضة التركية الرئيسية كمال كليتشدار أوغلو أمس رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان الاعتذار من الشعب على استعمال القوة المفرطة مع المتظاهرين.

ونقلت صحيفة «حريت» التركية عن أوغلو قوله، إنّ «المرء لا يمكنه أن يحكم ضد إرادة الشعب، الشعب هو القوة الأكبر، على أردوغان الاعتذار».

وأكّد أن زيارته للمتظاهرين في تقسيم لم تكن محاولة لانتهاز الفرصة، قائلاً: «ذهبت كمواطن مدني لدعم المتظاهرين، هذه المظاهرة ليست لحزب الشعب الجمهوري، هذا احتجاج للشعب».

شأن داخلي

أكّد الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية عباس عراقجي، أنّ الأحداث الأخيرة التي وقعت في تركيا بين السلطات والمتظاهرين في ميدان تقسيم «شأن داخلي». وأعرب عراقجي في تصريحات صحافية لوكالة أنباء «فارس» الإيرانية أمس الأحد عن كبير الأمل أن يتمكّن القادة الأتراك من حل الأزمة الناشبة والأوضاع الراهنة بهدوء وبصورة سلمية.