كان للشرق الأوسط وملفاته الساخنة، حضوره المتميز في واشنطن؛ خلال الأسبوع الأخير. زيارات ولقاءات عربية في البيت الأبيض ووزارة الخارجية، مداولات في «الكونغرس»، إفادات الوزير كيري حول زيارته الأخير للمنطقة؛ فضلاً عن تقارير ودراسات، خاصة بشأن النووي الإيراني، صدرت عن مراجع وازنة في حقل السياسة الخارجية وتحدياتها ونالت قسطاً ملحوظاً من الاهتمام والأضواء.

وتقاطعت في حصيلتها عند مفصلين هامين: الأول، أن سياسة إدارة أوباما في المنطقة وتحديداً حيال إيران والأزمة السورية، ما عاد بالإمكان الاستمرار فيها.

انتهى مفعولها. بل باتت تهدّد بالتحول إلى خسائر أميركية. الثاني أن عامل الزمن بدأ يلعب ضدّ واشنطن، في هاتين الساحتين واستحقاقاتهما الزاحفة والمشحونة بعوامل التفجير الأوسع والأخطر. وبالتالي لا بدّ من المسارعة إلى التصحيح وطرح التعديلات على النهج المعتمد والذي انكشف عجزه وقصوره.

إشارات

الإشارات الصادرة عن الإدارة، تشي بأنها مدركة لمثل هذه الحاجة. ولو أنها ما زالت تؤكد في تصريحاتها على صوابية توجهاتها. ففي ذلك مكابرة، لا أكثر. الشلل وفي أحسن الأحوال الارتباك، واضحين. لكن الإدراك هذا تنقصه السياسات البديلة التي يدور حولها جدل وربما خلافات داخل الإدارة، طفت بعض علاماتها على السطح في الأيام الأخيرة.

ففي مطالعتهما أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ وفي نفس اليوم، أعطى كلّ من وزيري الخارجية كيري والدفاع هايغل، إفادة تعكس تقييماً مختلفاً عن الآخر بخصوص سوريا. بل متناقضاً معه.

الأول شبه أشاد بالمعارضة السورية التي باتت قادرة وبما لا يدع مجالاً للشك، على التأكد التام من أن ما يرسل إلى المعتدلين، الذين يشكلون المعارضة الشرعية؛ لا يصل لسواهم، ويقصد الأسلحة. ولأن الأمر كذلك، فهو ذاهب إلى اسطنبول يوم السبت 20 الجاري، " للاجتماع بهذه المعارضة والدول التي تدعمها والتي نعمل وننسّق معها بدرجة عالية جداً جداً.

وهنا السؤال: إذا كان التخوف من سقوط الأسلحة بأيد المتطرفين قد زال، فلماذا تواصل الإدارة رفضها لتسليحها ؟ في السابق كانت تزعم أن مثل هذا التخوف هو المانع. اليوم يقول كيري إن ذلك لم يعد وارداً.

مع هذا يستمر حظر واشنطن على السلاح. تذبذب وارتباك، أكدته إفادة وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان الجنرال دامبسي، حيث كان تقيمهما على النقيض، بحيث أفضى إلى إبراز المخاطر من التمادي في التدخل بالأزمة السورية؛ من باب أن وضع المعارضة بات أكثر غموضاً.

واعترف كلاهما بأن سياسة الإدارة لم تحقق حتى الآن أغراضها ولذلك نحن نبحث عن خيارات أخرى. خيارات كان كيري قبل ساعات قد تحدث عنها، عندما كاد يعلن احتضان «المعتدلين»، الذين تردد بأنهم المجموعة العسكرية التي يقودها اللواء ادريس. وكذلك سياسة الإدارة تجاه إيران، ولو أنها ليست بنفس القدر من التخبط. لكنها تتساوى معها من حيث أنها هي الأخرى، فقدت جدواها؛ وفق ما احتوته دراسة مجموعة «الملف الإيراني».

فالتقرير يدعو الإدارة إلى إعادة النظر بسياستها القائمة على ثنائي العقوبات والمحادثات السداسية مع طهران. فلا الأولى حملت إيران على الرضوخ، واو أنها تسببت لها بالأذى الكبير؛ ولا جولات التفاوض أدت سوى إلى تقطيع الوقت الذي لم يعد في صالح واشنطن، كما تقول الدراسة. المخرج، إضافة خط ثالث يتمثل في «فتح حوار ثنائي بين واشنطن وطهران من غير التخلي عن الضغوط والسداسي».

خيار دافع عنه بقوة كبار واضعي التقرير وهم من مرجعيات السياسة الخارجية في واشنطن مثل السفير الأسبق توماس بيكيرينغ والسناتور السابق ريتشارد لوغر والنائب السابق لي هاميلتون ومايكل هايدن المدير السابق لوكالة الاستخبارات سي أي أيه وآخرين من خبراء الأمن وأساتذة جامعيين. وكانت هناك تلميحات في الآونة الأخيرة ق، تشير إلى ميل راجح داخل الإدارة في هذا الاتجاه الذي تعارضه قوى اليمين السياسي والإعلامي والفكري في واشنطن.