حينما أعلنت الولايات المتحدة ملء الفراغ شرق أوسطياً، عبر «مبدأ آيزنهاور»، العام 1957 إثر انسحاب القوى الاستعمارية التقليدية، كان ذلك إيذاناً بنهاية عصر الثنائية الفرنسية- البريطانية الذي دام لقرون طويلة.

أرادت بلاد العم سام، العالم الجديد، بسط السيطرة على المناطق التي انسحبت منها أوروبا، القارة العجوز، بهدف حماية المصالح الاقتصادية للدول الرأسمالية أمام الزحف الشيوعي، فاشتعلت الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي لأربعة عقود ونصف، قبل أن تنتهي بوفاة الأخير بأمراض البيروقراطية والدكتاتورية والفساد والجمود الاقتصادي والإنفاق العسكري المتضخم.

وفي مطلع تسعينات القرن الماضي، وقف الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش أمام الكونغرس معلناً ولادة «نظام عالمي جديد» يكرس هيمنة واشنطن ويطلق عهداً جديداً تتسيد فيه الولايات المتحدة العالم، في حالة فريدة تاريخياً لقوة عظمى لا سوابق استعمارية لها، أدت إلى تحول بولندا، على سبيل المثال، من دولة شيوعية متخلفة إلى عضو فعال في الاتحاد الأوروبي وواحدة من أسرع اقتصادات أوروبا نمواً. رسّخ الجمهوريون، رونالد ريغان وبوش الأب، على مدى 12 عاماً مصطلح «الباكس أميركانا»، وأعقبهم الديمقراطي بيل كلينتون، الذي استلم الطبخة جاهزة ولم يكن عليه سوى توزيعها على الصحون، بسياسة الحروب الجوية عن بعد، ليحقق في البلقان أول انتصار عسكري في التاريخ من الجو.

وحينما ضُربت الولايات المتحدة في عقر دارها بهجمات 11 سبتمبر الإرهابية، سارع جورج بوش الابن إلى شن حربين حررتا 50 مليون انسان من نظامي «طالبان»، القروسطي، وصدام حسين، النسخة العربية من النازية الهتلرية، على الرغم من المآخذ من هنا وهناك على تلك الحربين.

ولأن النظام الرأسمالي حيوي قادر على التكيف مع الأزمات والتغلب عليها، كما تشير التجارب، تخطو الولايات المتحدة بثبات نحو التغلب على أزمتها الاقتصادية الحالية التي حملت الرئيس باراك أوباما إلى سدة الحكم بعد أن استغل نقمة الناخبين على تراكمات أخطاءٍ مالية.

والواقع، أن استثمار أوباما تلك الأزمة وإلقائه اللوم على حربي العراق وأفغانستان في أنهما زادتا حدتها أكثر فأكثر، لم يكن سوى محاولة، كشفتها الأحداث، لتسويق عقيدته اليسارية الشعبوية الانعزالية الكارهة لـ«مبدأ آيزنهاور» والمشككة بالحلم الأميركي الذي ساقه إلى البيت الأبيض.

وعليه، طفق أوباما معلناً «حرب انسحابات» من العراق وأفغانستان، تلتها «معارك نفض يدين» من ملفات حساسة في غير منطقة من العالم. وكان لزاماً، والحال كذلك، أن تتقدم بريطانيا وفرنسا من جديد إلى صدارة المشهد لتعويض الانكفاء الأميركي الطوعي الذي أثار حنق حلفاء واشنطن التقليديين. فتولت باريس نيكولا ساركوزي اقتلاع معمر القذافي، فرحةً بمنظر رفرفة الأعلام الفرنسية في بنغازي، في حين اضطرت باريس فرانسوا هولاند إلى مصارعة الإرهاب في مالي، النسخة الافريقية من أفغانستان، بيديها.

فيما اضطلعت لندن بدورٍ فعال ورئيسي في دعم الثورة السورية دبلوماسياً ومالياً وعسكرياً واستخباراتياً، بدون أن تتذرع الدولتان بالأزمة المالية التي تتغلغل بين ثنايا اقتصاديهما لتبرير الغياب عن المسرح الدولي، أو يتحجج هولاند بفكره اليساري الذي شذ عن القاعدة الاشتراكية من خلال حربه في مالي ومؤازرته ثوار سوريا. وإن كان أوباما راحلاً في 2016، فعلى ساسة الولايات المتحدة الحريصين على ريادتها أن يستعدوا منذ الآن للانتخابات الرئاسية بعد ثلاثة أعوام لدفن التركة الثقيلة التي سيخلفها لهم الرئيس الأميركي لعل واشنطن تستعيد ما تبقى «الباكس أميركانا».